18 مايو، 2022
النظام الاقتصادي العالمي : من مشروع مارشال الى مشروع كورونا
أقلام حرة

النظام الاقتصادي العالمي : من مشروع مارشال الى مشروع كورونا

 

اخبار الشعب /

 

راس المال جبان ، ومن سمات الجبن الخوف من المواجهة و الانكماش الى ان يزول الخطر ثم الخروج للساحة لاقتناص الفرص المربحة ولو على اشلاء الضحايا ، هذه مقولة حقيقية فراس المال الذي هو صلب الاقتصاد يتاثر كثيرا بالتقلبات السياسية و الازمات الاجتماعية و الكوارث الطبيعية … لكنه سرعان ما ينتعش بزوال هذه الظروف بل و يستغل الساحة التي تصبح ممهدة لدورة اقتصادية جديدة ، لذلك نجد أن العامل الاقتصادي يتغير و يتطور بعد كل ازمة سياسية أو كارثة طبيعية ليعرف بعد ذلك نوع من الاستقرار و النمو .
في العصر الحديث مر الاقتصاد بازمات سياسية و طبيعية كثيرة تطور بعدها و انتعش بعد ان استقرت الاحوال ، فبعد الاضطرابات السياسية و الاجتماعية التي شملت كل أوربا و المجاعات و الطاعون الاسود خلال القرنين 18 و 19ميلادي . عرفت اوربا ما سمي بالثورة الصناعية . التي ولدت من رحم هذه الكوارث بفضل مفكرين حملوا على عاتقهم الخروج بالمجتمع الاوربي الى بر الامان . فكان من بينهم العالم الاقتصادي ادم سميث وهو صاحب الفضل في انشاء الدراسات الاقتصادية ككل لذلك يلقب بأبو الاقتصاد ، وقد جاءت نظرياته في الاقتصاد ردا على نظام الميركانتيلية الذي لم يستطع اسعاد المجتمع لانه كان يرتكز على تدخل الدولة الصارخ و بالتالي خلق تفاوتات طبقية عظمى نظرا لاستئثار الطبقة الحاكمة بتسيير دواليب الاقتصاد و بالتالي استئثار طبقة معينة بالثروات لذلك قال : سميث : ” ليس هناك مجتمع منتعش وسعيد بينما معظم الأفراد فيه يعانون من الفقر ويعيشون في تعاسة ”
و كحل لهذه القضية اقترح أن يكون هناك اقتصاد حر ينظم نفسه بنفسه دون تدخل من الحكومة ، مدفوعا بنزعات انسانية كالانانية و حب المصلحة التي ستدفع الانسان للعمل و كسب المال لاشباع هذه الرغبات و بالتالي سوف تنعكس على سير الحياة الاقتصادية للمجتمع و تدفع به للامام في هذا الاطار يقول سميث :
إنه ليس من إحسان الجزار أو الخباز أن نحصل على عشائنا، ولكن من نظرتهم إلى مصلحتهم الخاصة.
حسب سميث فإن هذه النوازع الانسانية من أنانية و حب المصلحة و النزوع الى حياة الرفاهية ستخلق المنافسة في السوق لتقديم أفضل الخدمات بأقل الأسعار، وهي ما اسماها ” اليد الخفية ” اي الطاقة التي تكمن في نفس الانسان من حب المصلحة ، باختصار فنظرية سميث ترتكز على مبدأ ” تبادل المصالح ” و الاجدر أن يكون ” تبادل المنافع ” )وهذه سنفرد لها فصلا مستقلا (. وسوف يتضح الخلل في هذه النظرية بتعاقب الاحداث .
ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية خرجت أوربا منهكة من الحرب بتدهور اقتصادي كبير بينما ظل الاقتصاد الامريكي ” الجبان ” منكمشا و متربصا الى ان حطت الحرب اوزارها بأوربا ليطل بوجه ” المنقذ ” وقد تهيأت له الظروف ليحصد مجموعة من المصالح فكان ” مشروع مارشال ” لإعادة بناء الاقتصاد الاوروبي .
مشروع مارشال ، وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي أثناء الحرب العالمية سنة 1947م والذي اعلنه بنفسه في 5 يونيو من نفس السنة في خطاب حماسي امام جامعة هارفارد ، كان المشروع بداية عسكرة الاقتصاد ان صح التعبير و تغول نزعة المصلحة التي قامت عليها نظرية سميث ، فواضعه ليس خبيرا اقتصاديا وانما جنرالا عسكريا تقدم بمشروعه من اجل الحفاظ على مصالح امريكا بأوربا و حصاد المزيد من المصالح ، فقد كانت بين أوربا و امريكا مصالح متبادلة اقتصادية و سياسية قبل الحرب و كان لابد ان تنتعش بعدها . فزيادة على التبادل التجاري كان هناك شد و جذب بين تياران اقتصاديان و سياسيان هما التيار الرأسمالي الذي تتزعمه امريكا و الذي يقوم على نظرية سميث ، و التيار الشيوعي الذي تزعمته روسيا او الاتحاد السوفييتي و الذي يقوم على نظرية كارل ماركس و آخرون ممن كانوا مهمومين بقضايا الطبقات السفلى من المجتمع و التي اتسعت و كثرت اعدادها بعد الحرب العالمية الثانية بعدما دمرت المصانع و سرح العمال و علت نسبة الفقراء ، فكان لابد من مشروع يحيي الاقتصاد الاوربي و يستوعب ما امكن من اليد القادرة على العمل حتى لا تميل للتيار الشيوعي الذي لا يكف عن مداعبة مشاعرها باقتصاد عادل يسوي بين الجميع في فرص الكسب و يقوم على مبدأ التشاركية في وسائل الانتاج . فقررت امريكا خلق هيئة للاشراف على المشروع حتى لا يحيد عن اهدافه السياسية فكانت ” منظمة التعاون الاقتصادي الاوربي ” التي ضمت دول أوربا الغربية كانت مهمتها الاشراف على إنفاق 12.9925 مليار دولار أميركي من اجل إعادة اعمار وتشغيل الاقتصاد والمصانع الاوربية.
مشروع مارشال هذا فتح شهية الاقتصاد الامريكي من اجل التهام المزيد من الاقتصاديات الخارجية . لكن ما كان يحول دون ذلك هو وجود خصم قوي هو الاتحاد السوفييتي الذي ينتهج نهجا اقتصاديا مختلفا ، فكان على امريكا تقوية اذرعها الاوربية حتى تتصدى لمد الاقتصاد الاشتراكي بالأرض الاوربية . وكذلك كان إلا أن امريكا لم تتوقف عند هذا الحد بل عملت على تأمين نفسها و انتقلت من مرحلة الدفاع الى مرحلة الهجوم فكانت ” حرب النجوم ” و السباق نحو التسلح و تطوير الاسلحة الهجومية بين الولايات الامريكية المتحدة و الاتحاد السوفياتي او ما سمي ” بالحرب الباردة ” وبموازاة ذلك عملت امريكا على التشجيع على ابرام معاهدات دولية مهمتها وضع قواعد للمسائل المتصلة بالتبادل الاقتصادي . و لتعزيز مكانة هذه المعاهدات خلقت لها منظمات دولية متخصصة للإشراف على تطبيق مقرراتها.
وهكذا تم إنشاء صندوق النقد الدولي الذي يشرف على تنظيم التعاون الدولي في مجال السياسة النقدية الدولية، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير الذي يعنى بتمويل التنمية في الدول الفقيرة، ومنظمة التجارة العالمية التي تسهر على تسهيل التبادل التجاري.
وفي ظل السيادة الكاملة للنظام الرأسمالي أضحت هذه المنظمات وسيلة للسيطرة والتحكم في اقتصاديات و بالتالي سياسات الدول المستضعفة او المستهدفة ، خاصة لما اعطت لهذه المنظمات صبغة قانونية دولية و جعلت قرارتها ملزمة للحكومات فآلت النتيجة لصالح الولايات المتحدة الامريكية و حلفاءها بغرب أوربا و نظامها الرأسمالي . فاندفعت امريكا لاصطياد مصالحها بالعالم كله دون مراعاة للقيم الانسانية . فكان التركيز على مناطق واسعة بالعالم حيث تكثر الثروات الطبيعية و موارد الطاقة . ولما كانت تجربتها بمشروع مارشال ناجحة اذ انعشت اقتصاديات دول غرب أوربا الحليفة و التي بدورها شكلت صرحا اقتصاديا منيعا ضد اعداء نظامها الرأسمالي ، فقد قررت اميركا استنساخ نفس المشروع لتعزيز مكانتها الاقتصادية و السياسية بشكل أوسع و بطريقة اخرى ، فراحت تختلق الازمات السياسية و تشعل الحروب هنا و هناك كما تؤزم الوضع الاقتصادي ببعض الدول من اجل ادخالها في بيت طاعة منظماتها المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير ، ومنظمة التجارة العالمية . بقرارات ملزمة و صارمة اضعفت اقتصاديات الشعوب و مكنتها من العبث بسياساتها .
بعدما اثخنت العالم بالحروب من اجل الحفاظ على مصالحها . و ورطت و تورطت بحروب لم تعد تتحكم بنهايتها خاصة تلك التي أوقدتها بالشرق الاوسط كحرب العراق و اليمن و سوريا … و الفتن التي جعلت وقودها جماعات متطرفة ، لم تصل امريكا للنتائج المرجوة منها إلا عائدات تجارة السلاح و الانشطة المتصلة بالمجال العسكري ،و التي هي الاخرى لم تعد تحت سيطرة الادارة الامريكية بل الشركات الكبرى العابرة للقارات و التي تباشر سير الاوضاع في الدول و المناطق المستهدفة و تحدد فيها السياسات التي تصب في مصلحة عائداتها التجارية ، حتى اصبحت امريكا نفسها رهينة هذه الشركات و تنعت ” بالدولة الشركة ” من ناحية اخرى انبرى لها عدو آخر لم يكن مجهولا لها بل ربما اعتقدت انها تخلصت منه وهو النظام الاشتراكي او الشيوعي الذي عالج نواقصه و ظهر بثوبه الجديد بخطط اقتصادية و سياسية تلائم المرحلة في اطار مجموعة تسمى “بريكس” و هي منظمة سياسية بدأت المفاوضات لتشكيلها عام 2006 وعقدت اول مؤتمر قمة لها عام 2009. وكان أعضاؤها من الاقتصاديات الصاعدة وهي : البرازيل وروسيا والهند والصين تحت إسم “بريك ” ثم انضمت جنوب إفريقيا إلى المنظمة عام 2010 فاصبح اسمها “بريكس”. وتتميز المجموعة بثقلها البشري بحيث تضم ما يناهز نصف سكان العالم ويعادل ناتج هذه الدول المحلي مجتمعة ناتج الولايات المتحدة ولها احتياطي نقدي يناهز 4 تريليون دولار و هذا رقم مفزع للخصوم . كما أن سياستها الاقتصادية تعتمد السلمية اي يمكن ان تتدخل اقتصاديا ببعض البلدان عبر معاهدات اقتصادية كشراء الديون او تمويل بعض المشاريع الضخمة دون اي اكراه مسلح كما تفعل الولايات المتحدة الامريكية . بهذا الصدد وصف الرئيس الصيني لي جينتاو دول “بريكس” بأنها “المدافعة عن مصالح الدول النامية وأنها قوة من أجل السلام العالمي”.
منذ نشأت مجموعة بريكس و الولايات المتحدة قلقة لان مستقبل سلطتها على العالم صار مهددا ، ولم يعد التحكيم للسلاح و الحرب مفيدا خاصة ان المجموعة لها ثقل بشري و اقتصادي و نتائج المواجهة بالسلاح مع المجموعة تعتبر مغامرة خاسرة ، لذلك عمدت الولايات المتحدة الامريكية الى خلق توترات سياسية و ثورات على حدود هذه الدول خاصة الصين و تغذي النعرات العرقية و العقائدية حتى يتسرب اثرها الى قلب البلاد فتحدث الفتن و المنازعات الداخلية . لا ننسى ما قيل عن مذابح مسلمي الروهينجا الذين ينتمي بعضهم للصين و الدول المجاورة ، مذابح وقف امامها الضمير العالمي صامتا ولم تحرك لها الولايات المتحدة الامريكية ، راعية الديمقراطية و حقوق الانسان ساكنا ، بل استفزت لها جماعات مسلمة من كل البلاد ” للجهاد ” و نصرة الاسلام !!و حملة اعلامية واسعة لفقت فيها الصور و الاخبار حتى ترفع منسوب الكراهية ضد الصين الا ان المحاولة لم تاتي بالنتائج المرجوة فقد استنهضت فئة صغيرة جدا من الشعوب بل جماعات محدودة ،
في سنة 2009 عرفت امريكا ما يسمى انفلوانزا الخنازير وقد اثارت نوعا من الفزع و اثرت على الاقتصاد اذ تخلصت الدول من اعداد هائلة من الخنازير ثم تلتها انفلوانزا الطيور و جنون البقر واكبتها حملة من التحذيرات و التحليلات و اتجهت اهتمامات الشعوب لما ستصرح به المنظمات العالمية المختصة . لكن سرعان ما هدأ الوضع و تجاوز العالم الازمة … و كانها بالون اختبار لمشاعر و وجدان الشعوب . فالانسان بطبعه قد لا يخشى المواجهة بالسلاح و العدو المعلوم لكنه يقف عاجزا امام العدو المتخفي فكان من الطبيعي ان تخلق الولايات الامريكية هذا العدو لترهب به العالم و تلقي بالتهم على الصين فمنذ الاسابيع الاولى لظهور كورونا وجهت امريكا اصابع الاتهام للصين حتى وصف الرئيس الامريكي السابق ترامب كورونا بالوباء الصيني ،، ثم اشتغلت عجلة الاعلام الموجه لتشويه نمط عيش الصينيين الذين يقتاتون على الحشرات و الاطعمة التي يعافها معظم البشر . و تبدأ احصائيات الموتى و المصابين بل و استعراض مواكب التوابيت المتجهة نحو المحارق لتزداد الشعوب هلعا فتشدد امريكا قبضتها و تتحكم بحياة الشعوب و لاول مرة في التاريخ تتوحد شعوب العالم في ظل وباء مزعوم و تمتثل لقانون واحد ، متى تخرج للعمل و متى تستقر بالبيوت وتغير نمط حياتها و بدت شوارع العالم فارغة من البشر .. انها سياسة ” الصدمة و الترويع ” التي تعتمدها امريكا في حروبها ضد البشر .
مشروع كورونا الذي مازلنا نعيش فصوله سوف يستمر و الفايرز المزعوم سيزداد انتشارا و توالدا و تمحورا و لن ينجلي حتى تتضح اولى النتائج هل هي لصالح الاقتصاد السلمي لدى دول ” بريكس ” ام لصالح اقتصاد ” الصدمة و الترويع ” بزعامة امريكا .

نزهة الادريسي
الممكلة المغربية
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.