دوائر متموجة…

MOSTAFA CHAAB9 أبريل 2022123 عدد المشاهدات مشاهدةآخر تحديث : السبت 9 أبريل 2022 - 10:13 مساءً
MOSTAFA CHAAB
أقلام حرةفن وثقافة
دوائر متموجة…

 

/حميدة جامع:

العصافير تغرد بالخارج. الجو دافئ يغري بالقيام بنزهة مخملية جميلة على ضفاف النهر الذي يقسم القرية نصفين.
الأشجار تزهر في فصل الربيع، والاخضرار يغزو الأرض ويرسم بريشته لوحة خلابة، كلاب الضيعة تصدر نباحا متقطعا هادئا، والقطط الصفراء منها والبيضاء تموء برضى ظاهر.
تلك الحشرات الطنانة تمرق بلطف دون أن تثير الانتباه.
تنهض السعدية من فراشها بشوشة وتغسل وجهها ثم تطل من نافذة بيتها. الجو ساحر في الخارج والحياة تبدو ممتعة للغاية.
أعدت الفطور بسرعة، وتناولت ما تيسر رفقة أولادها الثلاثة وزوجها الذي اقترنت به لما يربو السبع سنوات …تنهدت بعمق قبل أن تنظف المائدة وتغسل الأواني وتوصي أولادها بمراجعة دروسهم ثم تخبر زوجها أنها ستقصد ضيعة أهلها القريبة من المنزل …
في الطريق، لاحظت انسياب ماء النهر ثم قذفته بحصيات صغيرة وهي تكمل السير وتستمتع بصدى ملامسة الحصيات سطح الماء وتدندن بصوت خافت وتصفر.
التقت القط الأبيض المشاكس الذي يزورها في المنزل بين الحين والآخر، ربتت على ظهره بحنان، مسدت شعره، أخذته بين ذراعيها وحضنته برهة ثم أطلقت سراحه.
وصلت إلى الضيعة. رمت بجسدها إلى جدع شجرة برتقال وهي تغني بصوت مسموع وتفكر: أحس بسعادة غامرة اليوم ..سعادة لا توصف أبدا ….قريتنا هي الأخرى سعيدة ..كم يلزمني من الوقت لأعبر عن السعادة التي تغمر الجميع ….كم تلزمني من القوة لأواصل حياتي بمثل هذه المشاعر الجياشة …التي تجعلني فجأة أحب الحياة وأحب كل من يدب على وجه الأرض.
رفعت عينيها إلى ثمار البرتقال التي تبدو شهية طيبة ثم دفعت بظهرها جدع الشجرة وعيناها معلقتان بالثمار متمنية أن تسقط عليها ولو برتقالة واحدة …
هزت رأسها بقوة كمن تذكر حدثا مرعبا، أو شاهد شبحا لامرئيا ثم أردفت بصوت مسموع : لست أدري لماذا نهضت اليوم من فراشي، كنت أتمنى أن لا يحدث ذلك إطلاقا ..كنت أتمنى أن يظل جسدي المنهك مسجى فوق ذلك السرير …لينتهي كل شيء كما بدأ دون تخطيط ….لقد تعبت حقا ..أشعر بحمل ثقيل …أشعر بذل ومهانة لا حدود لهما …أصبحت أستحيي أن أحيا ..سبع سنوات من جحيم …..
وبهدوء شديد أخرجت من حزامها سم الفئران أفرغته في كفها ثم وضعته فوق لسانها، اغترفت بيديها حفنات من بركة ماء بجانبها وارتشفتها جرعات.
بعد برهة، أحست بالنيران تشب في حلقها، ثم بآلام مبرحة في معدتها ثم بدوار شديد وزبد يخرج من فمها …تمددت تحت شجرة البرتقال.
سقطت برتقالة كبيرة على رأسها وتدحرجت إلى البحيرة محدثة دوائر متموجة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق