26 يونيو، 2022
المدرسة العمومية بين وهم التجديد والإصلاح الممكن
فن وثقافة

المدرسة العمومية بين وهم التجديد والإصلاح الممكن

 

اخبار الشعب /    الخدير الراجي/فاعل تربوي:

 

بعد إطلاق وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة للمشاورات الخاصة بتجويد المدرسة العمومية، تطفو مجددا على السطح مسألة الإصلاح. وإصلاح المدرسة العمومية يفترض النظر إلى المنظومة التربوية كجزء لا يتجزأ من نظيرتها المجتمعية. أي أنها تخضع في علاقتها معها إلى عاملي التأثير والتأثر. والحال أنه في الوقت الذي كانت تعتبر فيه المدرسة المصدر الوحيد للتربية والتعليم بعد الأسرة -كانت الأسرة تتنازل غالبا عن هذا الدور لصالح المدرسة معتقدة بأنها غير قادرة على تربية أبناءها على المثال الذي تقدمه المدرسة، وهكذا كانت المدرسة والمعلم يشكلان القدوة في بناء شخصية الطفل بيد أن اليوم، صارت الأسرة منافسة للمدرسة في التربية بجانبيها السلبي والإيجابي- كانت المدرسة المؤثر الوحيد في المجتمع. أما الآن، فمصادر التربية والتعليم متنوعة (الأسرة، الشارع، التلفاز، الهاتف، الملاعب…). هذا التنوع استعصى معه استعاب المدرسة لمختلف الانحرافات التي يستقيها المتعلم خارج المحيط المدرسي. وكنتيجة لذلك، ما عادت المدرسة تؤثر في المجتمع، بل صارت تتأثر أكثر فأكثر به. ومن هنا بدأت تظهر بعض الممارسات الشاذة في المدارس. فأمام هذا التغير الذي طرأ على السياق الذي توجد فيه المدرسة، ماهي الأدوار التي يجب أن تضطلع بها هذه الأخيرة اليوم؟ وإلى أي حد يمكنها القيام بهذه الأدوار؟

أولا، لابد من الإشارة إلى أن هناك فرق بين منتوج المدرسة الخاصة ونظيرتها العمومية. وحين نتكلم عن المنتوج، أي المتعلم، فنحن لا نقصد فقط مداركه ومعارفه المتراكمة طيلة تواجده بالمدرسة إضافة إلى الكفايات التعلمية الأخرى، وإنما إيجابيات أخرى ربما هي التي دفعت مجموعة من الآباء إلى التوجه نحو المدارس الخاصة، مثل: الإطعام، النقل، التنظيم، جودة البنايات، الاستقبال، خلايا الإنصات، و غيرها. وهي خدمات تخرج عن نطاق مضمون المرفق العمومي التربوي في مفهومه الضيق والكلاسيكي. أي أن هذه المدارس أولت اهتماما بالغا بالخدمات الملحقة التي من شأنها أن تخلص الأسر من بعض الأعباء اتجاه الأبناء، خصوصا وكثرة الانشغالات اليوم، وضيق الوقت لشريحة هامة من الناس-صارت معه الأسرة تفضل دفع المال مقابل مرافقة الابن إلى المدرسة مثلا- وهو أمر قلما نجده في القطاع العام، وذلك له مبرراته. فهذه الخدمات تحفزها المداخيل الواردة على المدارس الخاصة لأنها تجد نفسها في سوق تنافسية فتبحث عما سيميزها عن الباقي دون الاكتراث إلى مضمون المرفق التربوي- نجد مثلا طفلا يدرس في مدرسة خاصة ويقوم بساعات إضافية مؤدى عنها-. هذا الأمر لاقى استحسانا من لدن الأسر -لسبب ذكرناه مسبقا- ولكون المرفق التربوي بمفهومه الضيق والكلاسيكي(التعليم) صار في متناول الجميع خصوصا مع انتشار وسائط التكنولوجيا. أي أن المعلومات و المعارف لم تعد هي الرهان الأساسي خصوصا مع تبني المقاربة بالكفايات. فالمعلومة متعددة، متجددة وذات مصادر عدة، لكن الأهم ليس المعلومة في حد ذاتها وإنما في سيرورة اكتشافها واستيعابها وتملكها و استثمارها في إنتاجات فردية أو مشتركة. هذه الكفايات المتعلقة بالمنهج هي التي تنقص أبناءنا ومدارسنا العامة منها والخاصة بالرغم من التنصيص عليها في مختلف النصوص المؤطرة للمنظومة التربوية. ولعلنا نتكلم اليوم عن أزمة منهج وأزمة أسلوب. و كنتيجة لهذه الأزمة، يفقد الطفل القدرة على التعبير و الدفاع عن رأيه، بل و القدرة على الإبداع، فنفتقد إلى مقومات الشخصية الكاريزمية المنتظرة. هذه الأزمة تبدأ من الأسرة حين ترسم مسبقا لأبنائها المسار الذي سيسلكونه متناسية خصوصيات ذكائهم و توجهاتهم بل و أحيانا إرضاء لاعتقادات و أحكام مجتمعية بائدة. فأول قمع يتعرض له الطفل من طرف أسرته هو قمع الاستقلالية في اتخاذ القرار، ثم تتطور التبعية إلى أن يصير غير قادر على الجلوس أمام الكتاب و إنجاز الواجبات، فيتطلب معه القيام بساعات إضافية بمرافقة أستاذه. ومن منا لا يقر بدور المثابرة في نجاح الفرد؟ ومع كثرة ضغط الأسرة، التي بدورها تفتقد إلى الاستقلالية من معتقدات المجتمع، تضيع شخصية الطفل.

إذن قلنا بأن الخدمات الملحقة للمرفق التربوي هي التي أعطت إشعاعا للقطاع الخاص لأن هذه التقنية تم اقتباسها من عالم الاقتصاد والمقاولة. فعلى سبيل المثال، يؤدي الزبون فاتورة أكبر في مقهى يقدم خدمات إضافية ولو على حساب جودة المشروب، في حين يمكن أن يقدم زبون آخر فاتورة أقل في مقهى تقدم مشروبا ذات جودة لكن دون خدمات إضافية. هذه التنافسية فرضها العامل الاقتصادي، أي وجود منافسين والبحث عن الربح. ومنه يمكن أن نستنتج بأن التجديد في المدارس الخاصة مقرون بالربح والمداخيل، لكن الوضع ربما سيدفعنا لفتح نقاش آخر متعلق بظروف عمل العاملين بهذه المدارس. ثم ماذا عن هذه الخدمات في القطاع العام؟ فهل يجب الاقتداء بالمدارس الخاصة في هذا المنوال أم أنه يجب البحث عن سبل لتطوير جودة المدرسة العمومية انطلاقا من الخصوصيات التي تميزها عن نظيرتها الخاصة و حسب ما يسمح لها به القانون؟ فإذا كان العامل الاقتصادي هو المحفز للخدمات في المدارس الخاصة، فإنه ينعدم في نظيرتها العمومية. بل وإذا كان المرفق في القطاع الخاص يحتكم إلى المصلحة الخاصة، فإنه في المدرسة العمومية يحتكم إلى المصلحة العامة. وهنا لابد من فهم الفرق، والسياق و الميولات الشخصية و غيرها من المتغيرات بل و الثوابت التي تجعل الفرد يميز بين المصلحتين.  فإذا كان القانون قد أنشئ من أجل حماية المصلحة العامة، فلن يكون هناك من يختلف معنا بأن المصلحة الخاصة تمر قبل نظيرتها العامة في أولويات الأفراد.

إن إصلاح المدرسة العمومية والخدمات التي تقدمها يتطلب أولا شروطا، و تنتج عنه ثانيا نتائج غير مرغوب فيها. فأما من حيث الشروط، فإنه لابد من مقاربة المنظومة التربوية سوسيولوجيا حيث تتداخل فيها مجموعة من الأطراف و يتحمل كل طرف مسؤوليته دون التملص منها. فالسلطات العمومية مطالبة بتكريس سياسة تعليمية مبنية على تصور واضح يأخذ بالحسبان مختلف الخصوصيات التي تميز المجتمع، فتعمل على تنفيذها وفق آليات الحكامة الإدارية منها والمالية والتربوية. وهكذا فهي مطالبة بالمراقبة و التتبع و ربط المسؤولية بالمحاسبة و القطع مع الممارسات غير السليمة في مختلف الادارات و المؤسسات التابعة للوزارة. كما يجب عليها تثمين الرأسمال البشري باعتباره المدخل الأساس لتجويد العمل التربوي و ذلك عن طريق التحفيز المادي و المعنوي، الاهتمام بالحياة المهنية للموظفين و استثمار كفاءاتهم المختلفة في شتى مجالات المنظومة و الأهم هو ربط مخرجات المدرسة بالتنمية الشاملة عموما. لكن تجدر الإشارة إلى أن النتائج الإيجابية التي يمكن أن تتمخض عن هذا الإصلاح لابد وأن تؤدي إلى نتائج أخرى، ولعل الأبرز منها هجران القطاع الخاص، وهو أمر سينعكس سلبا على الفاعلين الاقتصاديين ولن يرضي توجهات الدولة الحديثة. ومن هنا يمكن القول بأن محاولة إصلاح المدرسة العمومية لابد وأن تأخذ بعين الاعتبار المدارس الخاصة. فالتنافسية في التجديد بين القطاعين أمر جد مستبعد، اللهم اعتماد مقاربة أخرى تجعل التعليم يخرج عن نطاق المجانية كما جاء على لسان أحد الوزراء في حكومة عبد الإلاه بنكيران ” لي بغا يقري ولدو غادي يخاصو يحك جيبو“.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.