التصنيفات
أقلام حرة

في أحضان قريتي

اخبار الشعب/

المكان جزء مني،هوأساسي بالنسبة لي،سواء كتبت تفاصيله أو لم تكتب،فلا يد أن تكون الحدود التي تتحرك فيها إلهاماتي مميزة،أستمتع بها،وتستمتع بي،أتمتع بها وتتمتع بوجودي،وفي معظم الأحيان أكون صادقة بالكلمة حين أكتبها،أو أفعلها أو أعيش لحظتها وأحسها،فأنا أعتبر نفسي مجندة للدفاع عن تفاصيل حياتي،وتفاصيل تفاصيلي،كيفما كانت،فداخل كل إنسان منا بدرة لها نمو ولها شكل….لها زهر ولها ثمر…..لها مرارة ولها حلاوة……لها أصل ولها فصل……
وأنا أصلي من قرية وادعة،غافية بين أشجار وارفة ومياه مصب للبحر،هي بحرة هادئة،فالماء والخضرة في كل مكان،عشت فيها أحلى سنين عمري مع طيوف حبيبة،مع جدي وجدتي،مع أبي وأمي ومع إخوتي،وعند كل زيارة لي لا أجد سوى الترحيب الحار والإبتسامات الدائمة على وجوه أصلية أصيلة وبكرمها تجود على كل زائريها.
كانت الشمس تؤذن بالمغيب وتغطي السماء في الأفق البعيد بألوان زاهية واحمرار هادئ جميل،غمرتني بدفئها الربيعي اللطيف،فأحسست ببراعم العشب الصغيرة تحاول جاهدة أن تمد رؤوسها بين ذرات التراب ورائحة الأزهار الزكية، ورائحة الأرض الندية تملأ السماء فرحا وسعادة بقدومي،والنهر المجاور يواصل سيره على عهده ليلتقي عند المصب مع أمواج البحر.
لم يكن أمامي وقد وصلت في آخر النهار إلا مراقبة الغروب،تأملت مليا فوجدت شيئا لا حد له ولا نهاية،شيئا لا تمحوه دموع الخريف،ولا حزن الشتاء فهي الطبيعة تخلع ثوب النور المبهور ،إنه لغروب ساحر أخاذ بقريتي،فقريتي من أجمل القرى،لها خصوصياتها وتملك من الطبيعة الشئ الكثير،هو ليس ككل غروب،هو غروب يوحي بمنظر رباني خالص،هو من أجمل النهايات وأسماها، كحسناء فاتنة تلملم نورها وتمشي نحو أفق بعيد،بل كملكة متوجة تجر ثوبها كل مساء لتختبئ بكل استحياء،وحمرة الخجل بادية عليها كأنها تبكي أو بكت من حرقة الوداع ، لتذهب مكرهة للنوم،تتكئ متعبة فوق صدر المياه تحاول أن تستميت لتبقى لكنها تسقط مغشيا عليها في البحر،فيهاديها الموج برفق ويعانقها،ثم يواصل رحلته إلى ما هوذاهب إليه،تلك هي شمس قريتي في كل غروب.
فقريتي وإن تغيرت بعض ملامحها بزحف إسمنتي،لكنها ما زالت كجميلة عذراء،محتفظة ببكارتها الطبيعية،ومازلت أحس عند كل زيارة لها أني في حاجة إلى رائحة تربتها وهوائها ورائحة خبزها،وأمطارها وحتى رائحة روث ماشيتها،أنا بحاجة لكل شئ فيها،لأني فعلا أشعر بفوحان الحياة بها،بأصل الحياة،فأعيش راحة نفس،في جو فسيح،جو الإنطلاق الصحي،وهدوء البال،أتذوق فيها طعم الحياة التي غابت عني في خضم صداع مستمر ليل نهاروضجيج المدينة أو بالأحرى دمار تدريجي تسبب لي في عدة اضطرابات…..
لأهرب،لأتذوق فيها طعما أعيشه مع كل إشراقة شمس،مع كل إغفاءة ليل،في السمر والصمت،لتجعل في كل زاوية من قلبي روضة تبدع الربيع وتنبت الحب وتحيي الأمل، هنا وردة زاهية،وهنا نرجسةحانية وألف طيب وألف نعيم لأرجوانة بنفسجية،هنا تسامرنا،وهنا رقصنا،وهناك في الحقول جرينا،فكم مرة رسمت لوحة جميلة،وعزفت مقطوعة موسيقية جديدة ولحنت لحن الحياة.
دابت حرارة الشمس في لسعات البرد الخفيفة التي بدأت تزداد رويدا رويدا فتزيل غبش اليوم الذي انقضى، وأنا لا زلت أراقب ذلك الشفق الاحمر لتضفي عليه ألوانا ولتعطي لليوم وجها جديدا،فقد هطلت أمطار غير متوقعة في شهر يحمل معه عادة روائح الصيف،معلنة عودة ثانية للربيع ويقضته في كل شيئ ،شجريجتمع له الورق الأخضر وطير تنطلق من حناجره نغمات من صنع الخالق البديع ،وأرض تباهي بزهرها،أبيضه،وأحمره،وأصفره،
ونسيم يرق ويرق بعد ليل طويل وسمر رائع، لقد عشقت طبيعة قريتي،عشقت بواطنها وأسرار بيوتها، عشقت دروبها،وكهوفها،عشقت بحرها ونهرها،عشقت جبالها وحقولها،عشقت وأعشق كل شيئ فيها،فقد كانت في كل عودة لقريتي،عودة او رحلة قريبة من الحاضر الذي أعيشه أحيانا،وبعيدة عن الماضي الذي عشته مع طفولتي في أحيان كثيرة،عشتها مع أسارير طيبة تطالعني في كل حين عشتها يوما مع جدي وجدتي رحمهما الله،وأتمنى لو أدفن بجوار قبريهما،تلك وصيتي.
محبتي ومودتي وفاء العنزي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *