البيعة المغربية: “ذاكرة مقدسة تتجدد على إيقاع الثقافة”.

habibtarik2 أغسطس 202541 مشاهدةآخر تحديث :
البيعة المغربية: “ذاكرة مقدسة تتجدد على إيقاع الثقافة”.

أخبار الشعب /  الفنان الباحث البشيري بنرابح

 

البيعة المغربية ليست مجرد طقس رمزي أو عادة متوارثة، بل هي مؤسسة ذات أبعاد دينية، سياسية، وثقافية عميقة، تأسست على المرجعية الإسلامية، وتشكلت في سياق الهوية المغربية، مما جعلها ركيزة أساسية لاستمرارية الدولة ووحدة الأمة، منذ عهد الأدارسة إلى الدولة العلوية، التي نعيش تحت ظلها اليوم وننعم معها بالأمن والاستقرار.

أولًا: البعد الفقهي للبيعة

تُعد البيعة في المنظور الفقهي الإسلامي عقدًا شرعيًا بين الإمام والرعية، قائمًا على الطاعة المشروطة بالعدل وإقامة الدين. وقد أقرّها الفقه المالكي، وهو المذهب الرسمي للمملكة المغربية، معتبرًا إياها واجبة إذا توفرت شروط الإمامة.

وصف ابن خلدون البيعة بأنها “عهد على الطاعة”، مؤكدًا على بعدها التعاقدي لا التسلطي، وهو ما جعلها في المغرب تجسيدًا لمفهوم “الإمامة العظمى”، حيث يجمع الملك بين السلطتين الدينية والسياسية بصفته “أمير المؤمنين”، كما نص على ذلك الفصل 41 من دستور 2011، الذي يكرّس وظيفة الملك كضامن للدين وراعٍ للشأن الديني.

ثانيًا: البعد السياسي

سياسيًا، تُعد البيعة أساس الشرعية الملكية، إذ تتوارث عند تولي الملك وتُجدد سنويًا في عيد العرش ضمن طقوس تجمع بين الرسمي والشعبي. يشهد هذا الطقس حضور كبار الشخصيات السياسية والعسكرية والاقتصادية من داخل المغرب وخارجه، فيتجدد الولاء، ويترسخ مبدأ الاستمرارية والتلاحم بين العرش والشعب.

ثالثًا: البعد الثقافي

تجاوزت البيعة بعدها السياسي لتصبح طقسًا ثقافيًا يحتفى به من خلال الفنون الشعبية، والعروض التراثية، والتظاهرات المسرحية والملاحم الغنائية. وهو ما يعكس حضورها في الوجدان الجماعي المغربي، ويجعلها رمزًا من رموز الهوية الثقافية الوطنية.

رابعًا: البيعة والهوية الوطنية

لعبت البيعة دورًا محوريًا في ترسيخ الوحدة الوطنية، وتثبيت الشرعية، ومواجهة التحديات التاريخية. فقد وصفها المؤرخ عبد الهادي التازي بأنها “وثيقة تفوق العقود الدستورية من حيث رمزيتها ومضامينها”، وهو ما يعكس وزنها السياسي والثقافي.

خامسًا: خصوصية النموذج المغربي

إن ما يميز البيعة المغربية هو طابعها الفريد الذي ينسج خيوط التناغم بين الدين والسياسة والثقافة. فهي من أقدم أشكال المبايعة في التاريخ الإسلامي، ومع ذلك لا تزال تتجدد في صيغها ومضامينها، متكيفة مع التحولات المحلية والدولية، ما يجعل منها نموذجًا مغربيًا متميزًا، يزاوج بين الأصالة والمعاصرة.

المراجع :

ابن خلدون، المقدمة.

أحمد الريسوني، الإمامة العظمى عند المالكية.

محمد ضريف، النظام السياسي المغربي.

عبد الهادي التازي، البيعة والخلافة في التاريخ المغربي.

دستور المملكة المغربية 2011، الفصل 41.

منشورات المجلس العلمي الأعلى، 2015.

الفنان الباحث البشيري بنرابح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة