حين تسقط الجدران… يسقط معها صمت مسؤولية بأكملها.

habibtarik10 ديسمبر 202511 مشاهدةآخر تحديث :
حين تسقط الجدران… يسقط معها صمت مسؤولية بأكملها.

أخــــبـــار الـشـعـب / هـنـد بـومــديان

 

 

في كل مرة ينهار فيها منزل أو عمارة، لا يسقط الإسمنت وحده… بل تسقط ثقة المواطن في أبسط حق يملكه: أن يعيش في بيتٍ آمن. ما حدث بالأمس، حين سقطت عمارتان دفعة واحدة، لم يكن مجرد حادث عرضي؛ كان صفعة مؤلمة تُعيدنا إلى حقيقة حاولنا تجاهلها طويلًا: هناك آلاف الأرواح تعيش اليوم فوق أرض متصدعة وتحت أسقف متعبة، تنتظر فقط اللحظة التي يتخلى فيها الجدار عن صمته.

المؤلم في فواجع الانهيار أنها ليست مفاجآت قدرية. الشقوق التي تبدأ صغيرة، الأرض التي تهتز تحت الأقدام، الجدران التي تنفصل ببطء… كلها رسائل واضحة كان يمكن قراءتها منذ البداية. لكن ما بين ضعف المراقبة، وغياب المساءلة، وسنوات الإهمال، تتحول التحذيرات إلى كوارث، وتتحول الكوارث إلى جنازات.

في الأحياء القديمة والمكتظة، يعيش المواطن داخل بنايات لم تعد تملك القدرة على الوقوف. بعضها بُني قبل عقود طويلة دون دراسة، وبعضها أضيفت إليه طوابق فوق طاقته، وبعضها وُلد من رحم العشوائية، حيث يلتقي الطمع بالهروب من الفقر، فيُشيَّد السكن قبل أن تُشَيَّد سلامته. وبعد ذلك، حين تأتي الأمطار أو ترتفع الرطوبة أو يتآكل الحديد، ينهار كل شيء دفعة واحدة: البيت، الحلم، والاستقرار.

ما وقع بالأمس ليس حادثًا منعزلًا، بل نموذجًا يختصر معاناة مدنٍ كاملة تعيش تحت تهديد صامت. الأسر التي خرجت من بين الأنقاض لم تخرج فقط بملابسها الملطخة بالغبار، بل خرجت بقلوب مرتعشة وذاكرة ستظل تلاحقها سنوات. فقدان البيت ليس أمرًا بسيطًا؛ هو اقتلاع للجذور، تمزيق للذاكرة، وجرح لا تداويه التعويضات ولا الوعود.

المسؤولية هنا ليست لغزًا معقّدًا. هناك أجهزة وجب أن تقوم بدورها قبل الكارثة، وهناك قوانين يجب أن تُفَعَّل قبل أن تنهار الأرواح، لا بعدها. وهناك مشاريع ترميم معلّقة، وخطط استباقية مجمدة، ولجان تُفعَّل فقط بعد أن يصبح الركام عنوان المكان.

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة هو: لماذا ينتظر البعض سقوط الجدار كي يتحرك؟ لماذا لا تتحول التحذيرات إلى حلول، بدل أن تتحول إلى بيانات تعزية؟

البلد بحاجة إلى شجاعة سياسية قبل أن يحتاج إلى طلاء جديد للجدران. بحاجة إلى خرائط حقيقية للمباني المهددة، إلى قرارات صارمة تُنقذ الناس قبل أن يصبحوا خبرًا عاجلًا، إلى بدائل سكنية تحترم الإنسان ولا تتركه بين خيارين: الموت داخل البيت أو التشرد خارجه.

الكارثة الحقيقية ليست سقوط عمارتين… بل أن نسكت ونعتبره أمرًا عاديًا. المدن التي تنهار بيوتها هي مدنٌ فقدت القدرة على حماية سكانها. والبلد الذي لا يُحصّن جدرانه، لا يمكنه أن يضمن المستقبل لمن يعيش خلف تلك الجدران.

الوقت لم يعد يسمح بالتأجيل. الأرواح لا تنتظر. البيوت لا تعطي إنذارًا ثانيًا. وما يسقط اليوم قد يتكرر غدًا إن لم يُرفع الصوت عاليًا: السكن ليس رفاهية… إنه حق حياة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة