أخبار الشعب/ عزيز بوركعا
أعادت الفيضانات التي شهدتها أقاليم العرائش والقصر الكبير وسيدي قاسم والقنيطرة إلى الواجهة نقاشا حادا حول مسؤولية الفاعل الحكومي والسياسي في مواكبة الأزمات الطبيعية والتفاعل الميداني مع معاناة الساكنة في لحظات الشدة. فالصور القادمة من المناطق المتضررة، وحجم الخسائر المسجلة، وبلاغ وزارة الداخلية الذي تحدث عن إجلاء ما يقارب مئة وثمانية آلاف شخص، كلها مؤشرات ثقيلة الدلالة تؤكد أن ما جرى لم يكن حادثا عرضيا، بل شكّل اختبارا حقيقيا لنجاعة السياسات العمومية المرتبطة بتدبير المخاطر الطبيعية والأمن المائي.
وفي خضم هذه التطورات، تصاعدت موجة واسعة من الانتقادات الموجهة إلى وزير التجهيز والماء نزار بركة، بصفته المسؤول الحكومي المباشر عن قطاع الماء والبنيات التحتية، وبصفته أيضا نائبا برلمانيا عن إقليم العرائش. إذ اعتبر عدد من الفاعلين المحليين والمهتمين بالشأن العام أن الغياب الميداني للوزير عن المناطق المنكوبة شكّل صدمة للساكنة، وطرح علامات استفهام عميقة حول معنى التمثيلية السياسية وجدواها حين تغيب في لحظات الأزمة، ولا تترجم إلى حضور فعلي أو تواصل مباشر مع المتضررين.
وقد عبّرت أصوات متعددة عن استيائها مما وصفته بتناقض واضح بين الخطاب السياسي الذي يرفعه حزب الاستقلال، القائم على شعارات الكفاح والنضال والقرب من المواطن، وبين واقع تدبير الأزمة، حيث لم تسجل تدخلات ملموسة تحمل طابعا سياسيا أو رمزيا يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق وزير يشرف على قطاع حيوي ويمثل دائرة انتخابية تعيش على وقع كارثة طبيعية حقيقية.
غير أن النقاش لم يتوقف عند حدود الغياب السياسي، بل امتد ليشمل اختلالات أعمق تتعلق بطريقة تدبير الموارد المائية بالمغرب. فقد اعتبر كثير من المتابعين أن ما حدث يرقى إلى ما يشبه جريمة مائية مكتملة الأركان، إذ بينما تنفق الدولة استثمارات ضخمة على تحلية مياه البحر لمواجهة ندرة الماء، يتم في المقابل هدر عشرات الملايين من الأمتار المكعبة من المياه العذبة التي تصب سنويا في البحر دون تثمين أو استغلال عقلاني، في مفارقة صارخة تعكس ارتباك السياسات المائية.
فالمغرب، الذي كان قبل فترة قصيرة مهددا بأزمة عطش حادة، يترك أربعة عشر نهرا تصب في المحيط الأطلسي وستة أنهار تصب في البحر الأبيض المتوسط دون تفكير جدي في ربط الأحواض المائية أو تخزين مياه الفيضانات وتحويلها نحو المناطق التي تعاني خصاصا مزمنا في الموارد المائية، خاصة في الوسط والجنوب. وهو ما يجعل من الفيضانات نعمة ضائعة تتحول بفعل سوء التدبير إلى نقمة مدمرة.
إن ما وقع بمدينة القصر الكبير بسبب عجز نهر اللوكوس عن استيعاب حمولته المائية، وما شهدته مدينة آسفي بفعل واد الشعبة، يكشف بوضوح هشاشة البنية التحتية المائية وغياب رؤية استباقية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التقلبات المناخية، التي لم تعد تقتصر على الجفاف فقط، بل تشمل أيضا الفيضانات المفاجئة والعنيفة، والتي تتطلب سياسات وقائية لا تكتفي بمنطق التدخل بعد وقوع الكارثة.
ويرى عدد من الخبراء والفاعلين أن حماية المدن من الغرق لم تكن تستلزم بالضرورة تصريف المياه نحو البحر، بقدر ما كانت تحتاج إلى تخطيط استراتيجي يقوم على تحويل الفائض المائي وتخزينه عبر قنوات كبرى وسدود تكميلية وربط فعلي بين الأحواض المائية، وهو خيار تبقى كلفته أقل بكثير من الكلفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي قد تترتب عن العطش واضطرابات الأمن المائي مستقبلا.
لقد لم يعد الأمن المائي مفهوما تقنيا ضيقا مرتبطا فقط بتحلية مياه البحر أو تدبير سنوات الجفاف، بل أضحى قضية سيادية متعددة الأبعاد، تتطلب حكامة رشيدة واستثمارا ذكيا لكل قطرة ماء عذب قبل أن تضيع في ملوحة البحر. فمن غير المقبول منطقيا ولا استراتيجيا أن نهدر ماء طبيعيا متجددا، ثم نلجأ لاحقا إلى استرجاعه بتكلفة طاقية مرتفعة وتقنيات معقدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري حول مسؤولية صناع القرار في استيعاب دروس الفيضانات الأخيرة، والانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى بناء سياسة مائية شمولية توازن بين مواجهة الجفاف والوقاية من الفيضانات، وتعيد الاعتبار للحضور السياسي الميداني باعتباره عنصرا أساسيا في ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالأزمات الكبرى لا تختبر فقط صلابة البنيات التحتية، بل تكشف أيضا مدى جاهزية النخب السياسية لتحمل المسؤولية والانحياز الفعلي لنبض الشارع وهموم الساكنة.












