بوجلود بين الذاكرة الشعبية وإعادة قراءة المعنى: “مقاربة تاريخية سوسيولوجية”.

habibtarik1 يونيو 202639 مشاهدةآخر تحديث :
بوجلود بين الذاكرة الشعبية وإعادة قراءة المعنى: “مقاربة تاريخية سوسيولوجية”.

أخبار الشعب /

 

 

بقلم: الفنان ذ البشيري بنرابح

في كل سنة مع عودة طقس “بوجلود” أو “بيلماون” إلى بعض مناطق المغرب، يتجدد النقاش حول دلالاته وأصوله، بين من يراه تعبيرا عن عمق ثقافي محلي تشكّل عبر الزمن، ومن يربطه بتأويلات جاهزة حول “الأصل الواحد أو الوثنية”، تبرز إشكالية أوسع من الظاهرة نفسها: كيف نفهم التراث الشعبي دون إسقاط أحكام مسبقة، أو عزله عن سياقه التاريخي والاجتماعي؟

أولا: “الطقس بوصفه بناء تاريخيا متحولا”.

من منظور تاريخي، لا يمكن التعامل مع الطقوس الشعبية كبقايا جامدة من الماضي، بل كبناء متحول يعيد المجتمع إنتاجه باستمرار، فبوجلود ليس لحظة أصلية ثابتة، بل نتيجة تراكمات مرتبطة بالمجال القروي، والاقتصاد الرعوي، وطقوس عيد الأضحى، وتحولات البنية الاجتماعية المحلية.

محاولة إرجاع هذه الممارسة إلى أصل واحد، أو مصدر خارجي محدد تصطدم بطبيعة التاريخ الثقافي نفسه، الذي يقوم على التداخل والتحول أكثر من الخطوط المستقيمة للأصول.

هذا الفهم يقترب إلى ما أشار إليه ابن خلدون حين اعتبر أن العوائد والأنماط الاجتماعية،” تتبدل بتبدل الأحوال والأجيال”، وأن الظواهر الاجتماعية لا تُفهم خارج سياق العمران الذي يحتضنها، فالمعنى عنده ليس في ثبات الشكل، بل في تغير الوظيفة بتغير المجتمع.

ثانيا: “السوسيولوجيا الرمزية للفرجة الجماعية”.

من زاوية سوسيولوجية بوجلود يمثل شكلا من”الفرجة المنظمة للفوضى الرمزية”، فالأقنعة والجلود، وحركة المطاردة والضحك، تخلق لحظة اجتماعية مؤقتة تتعطل فيها الحدود المعتادة، ويعاد فيها توزيع الأدوار داخل الجماعة بشكل رمزي.

في هذا السياق تتحول الطقوس، إلى آلية لإعادة إنتاج التوازن الاجتماعي، حيث لا يكون الفرد هو مركز الفعل، بل الجماعة بوصفها منتجة للمعنى والفرجة في آن واحد.

ثالثا: “حدود المقارنة الشكلية بين الثقافات”.

تُطرح أحيانا مقارنات بين بوجلود واحتفالات أخرى في مناطق مختلفة من العالم، حيث تتشابه بعض العناصر مثل الأقنعة والجلود والاحتفالات الموسمية، غير أن هذا التشابه الشكلي لا يكفي لإثبات وحدة الأصل أو المسار التاريخي.

فالأنثروبولوجيا الحديثة تؤكد أن المجتمعات الزراعية والرعوية قد تنتج رموزًا متقاربة بشكل مستقل، استجابة لبنى اجتماعية متشابهة وأسئلة مشتركة تتعلق بالخصوبة، والخوف، وتنظيم التحول الموسمي. وبالتالي، فإن التشابه هنا أقرب إلى تلاقي الوظائف الاجتماعية منه إلى وحدة الأصل التاريخي.

رابعا: “الدين والرمز وحدود التأويل”.

من المهم التمييز بين المجال الديني بوصفه منظومة عقدية وتشريعية، وبين المجال الثقافي الشعبي بوصفه فضاء رمزيا متغيرا، فالخلط بين المستويين قد يؤدي إلى إسقاط أحكام مباشرة، على ممارسات اجتماعية دون فهم سياقها التاريخي.

وفي هذا الإطار يمكن استحضار قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) البقرة: 170.

وكذلك قوله تعالى: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ). النساء: 119.

هذه النصوص تفهم ضمن سياقاتها التفسيرية ولا تسقط آليا على كل ممارسة ثقافية، بل تقرأ في بعدها القيمي العام المتعلق بنقد الجمود أو الانحراف عن الفطرة ضمن الإطار العقدي.

خاتمة:

لا يمكن فهم بوجلود لا باعتباره أصلا ثابتا معزولا، ولا باعتباره دخيلا منفصلا عن بيئته، بل ظاهرة اجتماعية حية تتشكل داخل تفاعل الذاكرة الجماعية مع التحولات التاريخية والرمزية.

وإذا كان ابن خلدون قد نبّه إلى أن “العادة إذا استقرت صارت كأنها طبيعة ثانية للعمران”، فإن بوجلود يمكن قراءته ضمن هذا الأفق: عادة اجتماعية متحولة، تعكس أكثر ما تعكسه دينامية المجتمع الذي ينتجها، لا ثبات أصلها المفترض.

بهذا المعنى يصبح الفهم السوسيولوجي للظواهر الثقافية قائما على التحليل لا الإسقاط، وعلى قراءة السياق لا مطاردة الأصل الواحد، وعلى إدراك أن الثقافة لا تورث فقط، بل تعاد صناعتها باستمرار داخل التاريخ الحي للمجتمعات.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة