أخبار الشعب /
للشاعر الدكتور عبد الجبار شكري بقلم الاستاذ البشيري بنرابح.
البنية السيكودرامية للشقاء في قصيدة “شقاء الانسان”.
تكشف قصيدة ـ شقاء الإنسان ـ عن رؤية فلسفية ذات بعد بسيكودرامي، إذ تجعل من الإنسان محورا لصراع نفسي ووجودي متواصل، الشاعر لا يعرض الشقاء بوصفه حالة عابرة، بل تجربة إنسانية تؤسس الوعي ونضج الشخصية، يتجلى ذلك بقوله: يا سائلاً عن سرِّ هذا الكائنِ / ما بينَ فجرِ الوهمِ والإذعانِ…، هنا يضع الإنسان في منطقة توتر بين الوهم والحقيقة…. توتر يشكل المنطلق الأساسي للحركة الدرامية في النص، هذا الصراع يتطور عبر مراحل متدرجة، إذ يبدأ بانهيار الأوهام المرتبطة بالسعادة المادية، كما في قوله: ويظنُّ أنَّ المالَ يمنحُ راحةً / فإذا الغنى بابٌ إلى الحرمانِ..، ثم ينتقل إلى القلق الوجودي من خلال الأسئلة الكبرى: من أينَ جئتُ؟ ولمَ أسيرُ؟ وإلى / أيِّ المصيرِ…، هي أسئلة تعكس أزمة البحث عن المعنى أكثر مما تبحث عن إجابات جاهزة، من منظور بسيكودرامي مثل هذا الانتقال مواجهة مباشرة بين الذات وأعماقها، حيث يتحول العقل والشك واليأس والأمل إلى قوى نفسية متفاعلة داخل البناء الشعري.
النص لا يقف عند تشخيص المعاناة، بل يعيد تأويلها بوصفها شرطا للنضج النفسي، وهو ما يتجلى في قوله: إنَّ الشقاءَ معلمٌ في دربِنا / لا يستقيمُ بغيرهِ الإنسانُ..، ثم يعزز هذه الرؤية بقوله: ومن الجراحِ تولدُ الحكمُ التي / تبني العقولَ وتوقظُ الأذهانِ…، هنا ينتقل الشاعر من الرؤية التشاؤمية إلى رؤية إنسانية تجعل الألم وسيلة لاكتشاف الذات وبناء الحكمة، وهو ما ينسجم مع التصور العلاجي للبسيكودراما الذي يرى أن مواجهة الصراع الداخلي تمثل بداية التعافي وإعادة التوازن.
الرموز الشعرية نجدها تعزز البناء النفسي، فالبحر يحيل إلى عمق النفس، والليل يرمز إلى القلق، بينما يمثل الفجر والأمل إمكانية التجدد والانبعاث، لذلك تنتهي القصيدة برؤية متفائلة تؤكد أن النجاة لا تتحقق بالمكاسب الخارجية، بل بصفاء الضمير ونور القلب، كما في قوله: تلكَ السعادةُ إن بحثتَ حقيقتَها / سكنُ القلوبِ ونورُها الرباني… بهذا يقدم الشاعر نصا يجمع بين التأمل الفلسفي والتحليل النفسي، ويحول الشقاء من تجربة سلبية إلى قوة دافعة نحو النضج والارتقاء الإنساني.
قصيدة فلسفية (( شقاءُ الإنسان ))
الدكتور عبد الجبار شكري
عالم النفس وعالم الاجتماع
محلل نفسي ومعالج نفسي ايكلينيكي
شاعر وروائي من المغرب
يا سائلاً عن سرِّ هذا الكائنِ
ما بينَ فجرِ الوهمِ والإذعانِ
يمضي ويحسبُ أنَّ دربَ حياته
بابُ السعادةِ واسعُ الأركانِ
حتى إذا لامسْتَ عمقَ فؤادِهِ
ألفيتَ بحرَ الأسى بلا شطآنِ
فالروحُ تشربُ من عذابِ وجودِها
كأسًا تُدارُ بمرِّها الأزمانِ
خُلِقَ الإنسانُ الحزينُ كأنَّهُ
وترٌ يُغنِّي لوعةَ الأحزانِ
يبني القصورَ على سرابِ أمانِهِ
فتذوبُ مثلَ سحابةِ الدُّخَّانِ
ويظنُّ أنَّ المالَ يمنحُ راحةً
فإذا الغنى بابٌ إلى الحرمانِ
والجاهُ يرفعُهُ قليلاً ثمَّ قد
يهوي به في هوةِ الخسرانِ
والعلمُ بحرٌ لا قرارَ لقعرِهِ
كلٌّ به عطشٌ بلا ريَّانِ
والحبُّ نارٌ إن أضاءت مهجةً
أبكتْ سواها حرقةَ الهيمانِ
ما بينَ خوفِ الغدِ المريرِ وبينما
ذكرى الأمسِ تقيدُ الإنسانِ
يمشي ويُثقلُهُ الزمانُ كأنَّهُ
جبلٌ يُطِلُّ على ضعيفِ الجانِ
يسعى إلى معنى الحياةِ فلا يرى
إلا سؤالاً حائرَ البرهانِ
من أينَ جئتُ؟ ولمَ أسيرُ؟ وإلى
أيِّ المصيرِ نهايةُ الأوطانِ؟
هذا الوجودُ كتابُ لغزٍ غامضٍ
طُويتْ حروفُهُ بلا عنوانِ
والعقلُ يفتحُ ألفَ بابٍ حائرٍ
ويعودُ يحملُ خيبةَ العرفانِ
كم في الحقيقةِ من ستورِ خفاءِها
والعينُ تعجزُ عن مدى التبيانِ
والشكُّ يسكنُ كلَّ قلبٍ عاقلٍ
كالليلِ يلبسُ ثوبَهُ الديجانِ
واليأسُ يزرعُ في الضلوعِ مرارةً
كالنبتِ ينمو داخلَ الوجدانِ
والأملُ البسّامُ يولدُ فجأةً
ثم اختفى في غيمةِ النسيانِ
يا أيُّها الإنسانُ إنَّ مصيرَكَ
مرآةُ ضعفٍ صاغَهُ الرحمنُ
ما أنتَ إلا عابرٌ في رحلةٍ
والكونُ بحرٌ هائجُ الطوفانِ
تمضي السنونُ كأنها حلمُ الكرى
وتذوبُ مثلَ حكايةِ الرهبانِ
وتظلُّ تركضُ خلفَ ظلِّ حقيقةٍ
فتعودُ خاليَ راحةِ الوجدانِ
كم من حكيمٍ عاشَ يشربُ حيرتَهْ
حتى انثنى متعبًا بلا عنوانِ
وكمِ الفقيرُ رأى الغنيَّ معذبًا
فعلمَ أنَّ الشقاءَ سيَّانِ
فالكلُّ يحملُ في الضميرِ جراحَهُ
ويجرُّ أثقالًا من الأكفانِ
حتى ابتساماتُ الوجوهِ فإنها
تخفي البكاءَ وراءَها بأمانِ
ما أضيقَ الدنيا إذا ضاقَ المدى
في القلبِ من أملٍ ومن إحسانِ
وما أوسعَ الدنيا إذا سكنَ الرضا
في النفسِ رغمَ تقلبِ الحدثانِ
إنَّ الشقاءَ معلمٌ في دربِنا
لا يستقيمُ بغيرهِ الإنسانُ
منهُ الشجاعةُ تستفيقُ كزهرةٍ
نبتتْ على صخرٍ من الحرمانِ
ومن الجراحِ تولدُ الحكمُ التي
تبني العقولَ وتوقظُ الأذهانِ
ولربَّ دمعةِ صابرٍ في ليلِهِ
كانت مفاتيحًا إلى الإيمانِ
فالنورُ يولدُ من ظلامِ محنةٍ
والفجرُ يولدُ آخرَ الظلمانِ
والروحُ تعرفُ قدرَ دفءِ صباحِها
إن ذاقتِ البردَ الطويلَ العاني
لا تحسبنَّ السعدَ دارًا خالدةً
فالدهرُ دولابٌ من الدورانِ
يعطي ويمنعُ ثم يمضي صامتًا
لا يلتوي لشكايةِ الإنسانِ
والوقتُ أمضى من سيوفِ قبيلةٍ
يطوي الملوكَ وموكبَ السلطانِ
ويعيدُ كلَّ مظاهرِ الدنيا إلى
صمتِ الترابِ وساكنِ الأكفانِ
يا صاحِ إنَّ العقلَ بحرٌ واسعٌ
لكنَّهُ يبقى بلا رُبَّانِ
والقلبُ يعرفُ ما يعجزُ فكرُنا
عن وصفهِ في صفحةِ التبيانِ
فاجعلْ من الآلامِ سلمًا صاعدًا
نحوَ الحقيقةِ لا إلى الخذلانِ
واصنعْ منَ الصبرِ الجميلِ سفينةً
تمضي ببحرِ الشكِّ والأحزانِ
لا تيأسنَّ إذا تعثَّرَ مشيُكَ
فالوردُ يخرجُ من لظى الأشواكِ
والليلُ مهما طالَ لا بدَّ انقضى
والفجرُ وعدُ اللهِ للظمآنِ
فالشمسُ تشرقُ بعد كلِّ غمامةٍ
والمزنُ يهدي خصبَهُ للباني
والحكمةُ الكبرى بأنَّ مصيرَنا
أن نستنيرَ بوهجةِ الوجدانِ
لا في اقتناءِ المالِ أو في جاهِنا
بل في صفاءِ الضميرِ والإحسانِ
تلكَ السعادةُ إن بحثتَ حقيقتَها
سكنُ القلوبِ ونورُها الرباني
فاعبرْ طريقَ العمرِ وهو قصيدةٌ
كُتبتْ بحبرِ المرِّ والألوانِ
لا تنحنِ للعاصفاتِ فإنها
تمضي ويبقى شامخَ البنيانِ
واجعلْ من العقلِ المنيرِ مشاعلًا
تهدي الخطى في وحشةِ الميدانِ
وامنحْ فؤادَكَ فسحةً لمحبةٍ
تسمو على الأحقادِ والعدوانِ
فالناسُ كلُّ الناسِ أبناءُ الأسى
يتقاسمونَ مرارةَ الحرمانِ
والكونُ مدرسةُ الوجودِ وحكمُها
أنَّ الكمالَ حقيقةُ النقصانِ
فإذا سألتَ عن الشقاءِ فإنَّهُ
سرُّ النضوجِ وغايةُ التكوينِ
وإذا سألتَ عن النجاةِ فإنها
قلبٌ يُضيءُ بنورِهِ الرباني
فامضِ، فما الإنسانُ إلا رحلةٌ
بينَ البدايةِ ثمَّ كفنٍ فانِ
ويبقى الذي أحيا الضميرَ بصدقِهِ
حيًّا، وإن وارتهُ أكفانُ.
الدكتور عبدالجبار شكري
الدار البيضاء/ المغرب
الاثنين 06 يوليوز 2026












