اخبار الشعب/
أصبحنا في كل يوم وساعة ودقيقة نشاهد عبر مواقع التواصل الاجتماعي كائنات غريبة تنشر مقاطع فيديو من أجل الحصول على دريهمات أو ما بات يعرف بروتيني اليوم للصعود إلى الطوندونس، ظواهر ووقائع وأحداث شادة إستثنائية تؤثر بشكل سلبي على المجتمع المغربي و العربي و تخلق تشوها ممسوخا في شتى مجالات الحياة.
فعندما نقتحم العالم الإفتراضي الذي يعكس الوضع الواقعي ويعتبر مرآة عاكسة لشعب متخلف أو متحضر نجد مثلا تطبيقات الفايسبوك الأنستغرام التيكتوك والتويتر… حيث نصادف صور وتعليقات و فيديوهات يتم نشرها وبثها وتوزيعها من طرف أشخاص عبر صفحات ومجموعات تحتوي على إيحاءات لا أخلاقية تمس بالحياء العام بألفاظ كلمات وجمل نابية ساقطة تحمل محتوى غير مفهوم مفبرك مدجن منحط متعفن وصل إلى درجة إختلاق وإصطناع مقالب مرعبة مضحكة هزلية تعتريها جنون العظمة وأخرى دات طابع عنفواني إستهزائي تصل بوقاحة إلى خلق حالة فزع ورعب وتمويه و تسلط بوسائل دنيئة من طرف عائلات مغربية أصبحت تنشر مقاطع لأزواج في صراعات من أجل ”البوز” و مصطلحات ” من الحزام لتحت ” أي لا تليق لا للتواصل والحوار وحتى الجدال.
هذا كله من أجل خلق البوز وتحقيق نسبة المشاعدات كبيرة هدف يلهث ورائه جلهم لإستخلاص أرباح الأدسنس على اليوتوب _ يعني هادشي على حساب اللعاقة الكرمومة الفلوس _ حيث أصبحنا نقيس كل شيء بتعداد الفولويرز أو عدد المتتبعين أو المعجبين أو المشاهدات ويصبح الحدث أو صاحب الحدث مشهورا بفعل لقطة أو حركة أو كلمة يتم تداولها على أوسع نطاق وهنا يكون تحقيق الشهرة الإفتراضية _ الواقعية ولو على حساب إنتهاك حقوق وحرية الآخرين ويصير بإفتخار يردد أنا عندي ملايين ديال المتابعين والالاف المشاهدات لكن في التفاهة الخاوية أو التخربيق.
صدق من قال أن عالم التكنولوجيا اليوم سيجعل من الإنسان إنسوبا يعني جزء كبير فيه يتكون من برنام و أعداد وتطبيقات وشيفرات وبرامج وجزء آخر هو جسد بمثابة صنم جثة هامدة بدماغ آلي على شكل روبوت بشري؟؟؟
بالتفصيل مند زمن قريب كانت العائلات تجتمع على مائدة العشاء وتتواصل بلغة أو لهجة واضحة مفهومة أما الآن أصبح جلهم يتواصل عن بعد ويستخدم في حواره مع العائلة والمحيط تعبيرات الواتس / التيليغرام / الفايس / التويت / الأنسطا وما غير دلك هذه الأشياء التي يستخدمها بشكل غير منظم وعقلاني تفقده طبيعته الثقافية وإنسلاخه المبرر بالتطور التكنولوجي الذي يعتبر تحولا معكوسا وسلبيا في واقع كولونيالي يتخبط في تقليد الأعمى مستجدا بالماضي المحتضر و المستقبل الملغوم المحضور.
في كثير من الأحيان، يراودني السؤال التالي: كي تحقق البوز اليوم، هل الأمر يحتاج إلى مستوى عال من الثقافة والفكر أم يكفي أن تحول نَفسك إلى أضحوكة موغلة في عرض التفاهة وتعرض زوجتك للجميع حتى تنال إعجاب أصحاب مواقع افتراضيات الكليك والبارطاج؟
بداية؛ “البوز” كلمة إنجليزية “buzz” تعني في اللغة “الطنين” وهو (صوت طيران الدباب ) واصطلاحا تعني تقنية في الماركوتينغ أو التسويق تتمثل في جعل الناس يتحدثون عن سلعة أو خدمة قبل القذف بها في السوق.
عموما؛ يعني “البوز buzz” عملية تواصلية جماهيرية مخطط لها أو تلقائية، يعتمد فيها على زعماء الرأي، ويكون البوز BUZZ محدودا في الزمن، وينتشر بسرعة كبيرة، ويزول وينسى بنفس السرعة.
إن المشكل اليوم في مايسمى: “البوز” هو أنه يتضمن أخبارا زائفة وغير حقيقية قد تهدم أكثر مما تبني، بمعنى؛ فالبوز ليس سيئا في حد ذاته؛ إنما الإشكال في ما بعد البوز ولأجل ماذا وعن طريق ماذا…
إن المتتبع للشأن المحلي وخاصة وسائل الإعلام يلاحضون أن نسبة كبيرة من “البوز” تتضمن أخبارا زائفة وغير حقيقية، وغالبية الأحداث التي تحققه تتمحور حول البعد الاجتماعي أو الأخلاقي.
ولما كان الأمر كذلك؛ فماهي اهتمامات المغاربة -مثلا- التي تجعل فيديو معين أو معلومة معينة تعرف إقبالا أم لا”. وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذا هو الخطير في المسألة، فـ”غالبية الأشياء التي تحقق البوز إما ذات بعد أخلاقي وهي سائدة أكثر من غيرها، أو ذات بعد فيه استهتار ببعض المعايير”.
والمسجل هو أن الأشياء التي تؤسس لبناء اجتماعي وفكري لا توجد في هذا البوز، والدليل على ذلك، إذا أخذنا مداخلة عالم أو مفكر ما، لا تجدها تحقق “البوز”، في حين يلقى حدث قتل شخص ما لزوجته أو زواج آخر من أخرى إقبالا خياليا عليها، مما يعكس الشخصية التي أصبحنا عليها وكيف نتفاعل مع ماهو وجداني وأخلاقي ولا نتفاعل مع ما هو مصيري وعقلاني.
وأما إذا أردنا الحديث عن إيجابيات وسلبيات ظاهرة “البوز”، فإن الأولى تتمثل في كون “البوز” في حد ذاته يثير شيئا إيجابيا، يتمثل في انتقال المعلومة وكيفية استثمارهذا الانتقال”، بينما الثانية فتتمثل في ما الذي يروج له هذا البوز، وكيف تتشكل العقول والعقليات من خلال هذا البوز وهنا تبدأ السلبيات. ومن ثمة يجب أن يكون نوع من ردة فعل للعلماء والباحثين الذي يعلقون على هذه الأشياء التي تحقق البوز، كما يجب العمل على القيام بدراسة عميقة جدا لطبيعة هذا البوز الذي ينجح، من خلال معرفة الخلل الذي وقع في المجتمعات والتغيرات التي طرأت عليه”.
لكن؛ وللأمانة، هناك من المختصين من يعتبر “البوز” ظاهرة طبيعية ومحتواه هو ما يثير القلق.
فظاهرة “البوز”، هي عالمية وطبيعية، ولكن مضمونها هو الذي يمكن أن يثيرقلق المتتبع العقلاني.
فكل إنسان يريد جلب انتباه الآخرين وأن يصبح مصدر اهتمام للآخرين وهذا نجده بصفة خاصة عند المراهقين، الذين في طور تكوين الذات وجلب الانتباه. هذا من جهة، ومن جهة ثانية؛ فإن ظاهرة البوز، تكثر في مجتمعات لا يحظى فيها الشخص بالانتباه والاهتمام الكافيين، وكل مجتمع يشكل جزءا من العالم، فالمراهقون مثلا يبحثون عن البوز في صفوفهم، عندما لا يجدون انتباها واهتماما في المجالات الطبيعية كالأسرة والمدرسة والفضاء العمومي أو غيرها.
والخطير في الأمر هو أنه أحيانا يكون مضمون البوز تافها ومعاديا للمجتمع، وبأشياء سيئة ومسيئة للأخلاق، حيث يتم البحث في بعض الأحيان عن البوز بالعنف والتباهي و الكذب والسخرية و السب والشتم… وهذا النوع من “البوز BUZZ” من شأنه أن يسيئ “لكثير من الشخصيات، ويكون في بعض الأحيان على حساب شخصيات مرموقة ولها وزن.
وبالتالي؛ يجب أن يظل البوز في حجمه الطبيعي. إذا كان مضمونه يثمن الذات ويرفع من قيمة الذات بشكل يخدم المجتمع ويؤدي إلى الانسجام فيه، فلا يمكن إلا أن يكون إيجابيا خاصة بالنسبة للمراهقين.
في قارة “البوز BUZZ” سرعان ما يطفو كثيرون ويتحولون بفعل بعض المواقع من أشخاص مغمورين إلى مشاهير دون مبرر منطقي، إلا أن هذه الشهرة تستمر فترة وجيزة قبل أن تبرز شخصية أخرى تحظى بدورها بـ”نجومية مؤقتة”. والواقع هو أننا أمام وضع يتعلق بـ”ظاهرة غير صحية”، حيث أن بعض المواقع الإخبارية تتحمل جزءا من المسؤولية في تكريسها باستغلالها لـ”البوز” وتسليط الضوء على من يصنعونه سعيا وراء ” الكليك” و المشاركة والمتابعة….
بالفعل؛ هناك من المختصين والخبراء من يعتبر بأن هذه الظاهرة غير صحية، كونها تسمح لأشخاص بتصدر المشهد رغم أنهم لا يقدمون مضمونا ذو فائدة وأهمية تذكر. ومن بين الأسباب التي تقف وراء بروز هذه الظاهرة، سهولة ولوج مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح لهؤلاء الأشخاص تصدر المشهد، وذلك في ظل غياب من يمكن أن يتصدروه بأفكارهم ومناهجهم وقراءاتهم.
وجزء من اللائمة في هذا الأمر يرجعه هؤلاء المختصون أيضا إلى المواقع الإخبارية، إذ أن هناك عدة مواقع تخصصت في هذا النوع من الأخبار، وبمجرد ظهور “بوز buzz” معين والذي غالبا ما ينطلق من مواقع التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع، تتلقفه مجموعة من تلك المواقع وتنكب على صانعه ويسلطون الضوء على مختلف جوانب حياته لجلب “الكليك”، إلى أن يتحول إلى موضوع يجذب اهتمام المتلقي مع العلم أن هذا الأخير لا يستفيد في نهاية المطاف شيئا من كل ذلك.
والأكيد أن هدف بعض المواقع هو توفير مادة تستهوي الناس دون تفكير في الأهداف والرسالة من وراء تلك المادة ولا القيم التي تروج لها ولا ما يمكن أن ترسخه في مجتمع أصلا له ما له وعليه ما عليه، والمتلقي من جانبه يبحث عن الفرجة حتى ولو لم تحترم ذكاءه وملكاته النقدية.
فهل نحن أمام أزمة صناعة المحتوى الهادف ؟.
نعم هناك مشكلة في صناعة المحتوى، وهذا يعكسه ما نراه اليوم من خلال تتبع بعض الأشخاص وتسليط الضوء على حياتهم رغم أنهم لا يقدمون أي شيء مفيد، والخطير هنا أن هذا الأمر يبعث برسالة مفادها أن أي شخص كيفما كان مستواه العلمي والفكري يمكن أن يصبح مشهورا ويستفيد ماديا رغم أنه لا يقدم شيئا سوى أنه قد يحول نفسه إلى أضحوكة مثلا.
الأقرب إلى الصواب هو أن هذه الشبكات الاجتماعية محايدة، فهي مجرد قناة تُستعمل لتمرير المحتوى عبرها، بمعنى أن من له محتوى ذو قيمة وأبعاد سيتمكن من تمريره، ومن له محتوى ليست له أية قيمة هو أيضا سيتمكن من تمريره؛ لأنها في آخر المطاف قنوات و مواقع تبحث عن الربح المادي وليس إلا.
وبالتالي؛ فإن هذه الشبكات ليست مسؤولة عن هذا الوضع، بل ربما المسؤولية الأكبر تتحملها أولا النخبة التي يبدو وكأنها تعيش في عالم بعيد ولم تتمكن من تصدر المشهد في هذه المواقع، إلى جانب المواقع الإخبارية التي اختارت في سعيها وراء “البارطاج”، سلك الطريق السهل بدل صناعة المحتوى الهادف.
من جهة أخرى، مواقع التواصل الاجتماعي لم تخلق “البوز ‘’buzz” بل هي ساهمت في إظهار شيء كان موجودا أصلا، فالناس في اهتماماتهم يبحثون عن الفرجة، وعدم التمكن من إنتاج محتوى هادف أفسح المجال لبروز الظواهر التافهة التي نراها.
وكذلك من الإشكالات التي يطرحها التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي هي حدود الخصوصية، أو مايسمى بالحياة الخاصة la vie privée بمعنى ما يجب كشفه وما لا يجب. من جهة، هناك مجموعة من المشاهير الذين فهموا دور الشبكات الاجتماعية ويستعملونها في إطار استراتيجية تواصل وحضور إما من خلال “الدفاع” أو من خلال إطلاع الناس على حياتهم.
من جهة أخرى، هناك فئة لم تفهم طريقة التعامل مع هذه الشبكة، فمثلا إذا سألت شخصا إن كان من الممكن أن يعلق صورة زفافه على باب بيته سيرفض، ولكن في المقابل هو ليس لديه أي مانع في نشرها في فيسبوك، ولا يعلم أن الأمران متساويان.
إن مستخدمي هذه المواقع غير مستعدين وواعين لهذه الهجمة على الخصوصية التي تشكلها الشبكات الاجتماعية، والتي تستوجب التعامل معها بحذر إن كان الشخص حريصا على خصوصيته.
وكذلك؛ علاقة بالشهرة على مواقع التواصل الاجتماعي، برز مفهوم “المؤثرين”، الذين يتابعهم عدد كبير من الأشخاص ويتفاعلون مع منشوراتهم، وهذه المسألة ظهرت تقريبا مع الشبكات الاجتماعية وهي ظاهرة معقدة شيئا ما؛ لأن هناك المؤثر الذي يصنع محتوى هادف يجذب الناس، وفي المقابل هناك من يقدم محتوى لا يتضمن سوى الكلام النابي والتفاهة. لا نريد أن نعطي أحكام قيمة هنا، ولكن كخلاصة يمكن القول إن الشبكات الاجتماعية تعكس صورة المجتمع وتعكس القيم الموجودة في الواقع ولا يجب إلقاء اللوم على المواقع بقدر ما علينا مراجعة أنفسنا وإعادة النظر في المجتمع، لأنه ما هذه المواقع سوى مرآة تعكس عقليتنا.
ولما كان الأمر كذلك فقد يقول قائل متحمس -ولو بحسن نية الإصلاح- هل من الممكن ضبط وتنظيم هذا الفضاء ووضع حد لنشر التفاهة فيه؟.
ربما هذا أمر صعب، لأن المبدأ الأساس في الإنترنت هو حرية التعبير المطلقة، إذ يمكن لأي كان أن يعرض بضاعته للتنافس في سوق “البوز buzz“.
والحل في هذه الحالة هو أن تنخرط النخبة المثقفة والمجتمع المدني ويفكروا معا في استعمال هذه القناة التي يقضي فيها المغاربة بين الساعتين والثلاث ساعات، وأن ينتجوا محتوى هادفا يجذبهم.
في الحقيقة ما نعيشه اليوم من تفشي التفاهة، له تفسير واضح وهو انعدام الذوق وغياب تام للوعي، والمسؤولية مشتركة ما بين الإعلامي والمستهلك وحتى بعض جمعيات المُجتمع المدني. فكلما وقعت حادثة فيها نوعٌ من الضحك الذي لا يُضحك أو الغرابة أو الجرأة إلا وكان مادة إعلامية دسمة يقتات عليها الصحفي، وهنا نتساءل حقيقة عن دور الصحفي؛ هل هو فعلا ناقل للخبر وباحث عن الحقيقة أم هو باحث عن التفاهة وإعطاء القيمة لمن لا قيمة له. وهو نفس الشيء بالنسبة إلى جمعيات المجتمع المدني، التي تُهرول لدعوة بعض “التافهين” الذين لوثوا بتصريحاتهم الفارغة -من أي فكرة ومعنى- منصات التواصل الاجتماعي من أجل دعوتهم لتأطير وتنشيط -ويا للأسف- فعاليات ثقافية.
هذا الاهتمام الخطير بأي شخص يظهر على وسائل التواصل الاجتماعي يدفعنا للتساؤل حول نفور المستهلك من المبادرات الفكرية والثقافية والسياسية التي يقدمها الكثير من الشباب المتميزين، الذين لا يكادُ يسمع لهم صوتا ولا حتى ظهورا إعلاميا.
بكل صدق؛ نحن اليوم في مفترق الطرق وبحاجة إلى إعادة إنتاج مفهوم الشخص “الناجح” فلسفيا، فمع تكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي، صار المصطلح يعني نشر الكثير من الصور الخالية من أي معنى والحرص على الحضور والظهور التافه من دون أي إسهام ثقافي أو فكري وبذلك يحظى الشخص بمتابعة الناس لتسلط عليه بعض منابر الصحافة الصفراء الضوء ويدعوه المجتمع المدني ليلقي محاضرات وندوات، فيتحول من شخص “تافه” إلى “مؤثر” وهذا أمر جد مؤسف.
تنتشر التفاهة حينما تعم الرداءة، وتغلب التفاهة حينما تضعف الكفاءة بتعبيراتها المتنوعة، يتلقف الناس “البوز التافه أو bad buzz” دون أدنى تحري أو تساؤل أو تمحيص فبالأحرى نقدا لما يطلعون عليه. فهذه العملية تتطلب مجهودا وجدية واطلاعا واستدعاء للعقل، بينما يبدو من الطريقة التي يتعامل معها الناس أن هناك كسل وتكاسل وعدم الرغبة في بذل أي مجهود، وهو ما يجعلنا نستشعر أن هناك رغبة جامحة في الخمول وفي إطالة وقت الراحة والتفكه واللجوء إلى كل ما يطلق عنان الغرائز بدل فتح المجال للتفكير العقلاني الرصين.
ينتشر الميل إلى “البوز التافه” بالضبط حينما تغيب الثقافة والعطش الثقافي والاطلاع إلى امتلاك المعرفة وتكثيف آليات تطويرها والسعي إلى توسيع دائرتها والانفتاح على المديات les médias الثقافية الواسعة التي أصبحت تسمح بها وسائل التكنولوجيا الحديثة…
كذلك ينتشر “البوز buzz” حينما تغيب الرغبة في القراءة ويتم تعويضها “بالأوديوهات”وبوابل من الصور…
ينتشر “البوز التافه” حينما يغيب المثقف عن “الفضاء العمومي غير الرسمي” وحينما يغيب التعليم الجيد وتغيب معه أدوات التحليل والنقد والتعامل مع كل القضايا بالمسافة النقدية التي تتطلبها والتي تحتاج إلى رؤية و روية وإلى رصانة وعدم التسرع في إطلاق الأحكام الجاهزة، و تتقوى الشهرة المزيفة بالضبط لأن البيئة الحاضنة هي بيئة توارت فيها القيم الصلبة التي لا تؤمن بالشهرة بل تؤمن بقيمة الاعتراف la reconnaissance ، الاعتراف لمن ساهم في رص البناء، بناء الوطن بكل ما يقتضيه من جد وجدية، في هذه الحالة يصبح الميل إلى الشهرة وما يمكن أن تذره من مردودية آنية وما يمكن أن يجنيه صاحبها من أرباح بما فيها الأرباح المادية.
ويتم تشجيع المحتوى التافه عن طريق عدد المشاهدات، وعدد المشاهدات أصبح صناعة وماركوتينغ، تقف وراءها شركات رائدة، ويقف وراءها أيضا الإنسان العادي البسيط، ولو عن جهل ومن باب الفضول، أو لكي لا يحس أنه متجاوز في المجتمع، وربما حين يدخل للمشاهدة قد يعلق بتعليق ينتقد المحتوى، أو يسب أصحابه ويشتمهم، لكنه في نهاية المطاف ساهم في الترويج لذلك المحتوى الرديء، برفع عدد المشاهدات.
أما عن الأسباب النفسية، فيرى الخبراء بأن أمثال هؤلاء يعيشون في نوع من الفراغ، أو عندهم مركبات نقص، وفي الواقع الذي يعيشونه، يكونون متجاوزين، فيجدون في الفضاءات الافتراضية، قيمة وأهمية لا تعطاهم في الواقع، خاصة حين يرون أناسا يتابعون وآخرون يعلقون أو يتفاعلون…، فيشعر أن ربما عنده أمرا مهما، وبالتالي يكون هذا الأمر بمثابة التعويض النفسي.
والآثار النفسية في النهاية وخيمة، أولا الذوق العام يصاب بنوع من التردي، بحيث يؤثر هذا على حياة الناس في أحاديثهم وتجمعاتهم، بل حتى في نظرتهم للنجاح، بحيث تصبح هذه التفاهة معيارا للنجاح المادي وما يحصده صاحبها من أموال من لا شيء، وهذا بطبيعة الحال يشجع الشباب، بدل أن يدرسوا ويتعلموا ويجدوا ويجتهدوا ويعملوا، يكتشفون أن هناك أبوابا أخرى للوصول إلى الربح السريع للوصول إلى الشهرة وتحقيق الذات، بأسهل الطرق، بل بالكسل وتقديم موضوع تافه.
للأسف ليس هناك تشجيعا للمحتوى الهادف، بحيث لا يجد صناعه داعمين أو ممولين، وبالتالي النتائج ستظهر على المدى القصير والمتوسط، وحتى المدى البعيد، وما يمكن أن نحصده كمجتمع، في البنية المجتمعية سنراه بأعيننا وسنؤدي ثمنه غاليا على مستوى المنظومة القيمية وعلى مستوى تعليم أبنائنا.
هنا بالضبط نستحضر “البوز” BUZZ كظاهرة سوسيو تقنية أفرزها الانتماء إلى زمن الصورة، ذلك أن الرهان الأقصى للمنتمين لذات العصر هو تحقيق أعلى درجات “البوز” الممكنة، أملا في حصاد الشهرة والخروج من سجل المجهولية إلى المعروفية، ولا يهم أن تكون الوسيلة دوساً على المشترك القيمي، أو عبثاً بالحياة الخاصة، أو حتى انتهاكاً للمحذور والمحظور، المهم أن تتحقق الشهرة ويصير صاحب “البوز” موضع حديث في ال (هُنا) والـ (هُناك).
فلكي تصير “نجماً ساطعا”في أزمنة الرداءة، أمرٌ لا يستوجب التوفّر على كثير من الآليات الاجتماعية والمناهج العلمية، فليس مطلوبا منك أن تكون من آل الفكر و التفكير، ولا أن تحوز شهادات عليا من أعرق الجامعات، ولا أن تُدرج قبلاً في أكثر التنظيمات راديكالية، ولا حتى أن تكون صاحب صوت طروب. إن هي إلا كلام في كلام عشوائي، الذي قد يجعل المبنيّ للمجهول معلوماً بل ومطلوباً من قبل الملايين، وفي زمن قياسي يكفي فقط أن تعرف السر، وأن تتوفر على إرادة فولاذية للاستمرار في درب بناء الشهرة التافهة على نهر اللامعنى. فما تقوم به الصورة في سياق التفاهة والتتفيه هو إنتاج ميكانيزمات الهروب من الواقع عبر بوابات الترفيه التافه. لقد ساهم عصر الصورة التي ننتمي إليه، في توسيع مسالك “البوز”، فالفيسبوك مثلا سمح لكل واحد منا باستعراض صوره وتفاصيل حياته الدقيقة، كلها تستعرض على جدران إلكترونية، تعلن التقاسم وتضمر الرغبة في التمشهد و”البوز”.
يبدو جليا أن هناك مراهنة دائمة على تسويق الخيال وإنتاج واقع افتراضي آخر لا علاقة له بالواقع المعيش.
فعن طريق المسابقات يتم تسويق الخيال، ونسف الارتباط بالواقع، دفعاً بالمتفرج إلى الانفصال المؤقت عن إكراهات اليومي، والارتحال به نحو عوالم أخرى تعفيه من السؤال والنقد، فعالم الرقمي بمثابة مخدرات مؤقتة أو مسكنات لحظية أو على الأقل تحقق للراغب في التمشهدية و“البوز”رمزياً انتصارات وهمية على خصومه الطبقيين؛ بحيث يصير مثلاً برنامج حواري يستضيف صانعاً للقرار السياسي، وإحراجه بالأسئلة، مناسبة لتفريغ السخط المتراكم. و إن كان ذلك كله لا يحل المشكل بل يعد مجرد صناعة للوهم والهروبية.
أليست وظيفة الصورة اليوم هي التحريض على الاستهلاك و”عبادة” نجوم الوقت واللهاث وراء العلامات التجارية؟
ألا تنتج سياقات “البوز” والتفاهة واقعاً من اللا تسيس يقود إلى تجريد الواقع من واقعيته؟
من هنا يصير “البوز” ظاهرة تمشهدية تتيح لفاعلها التمسرح أمام الآخرين، مع ما يستوجبه هذا التمسرح من شروط الفرجة ضماناً للمتابعة وحصداً في المختتم لنقرات الإعجاب ومسارات الشهروية. ولتحقيق ذلك كله لا بد من الاشتغال على ما يثير الانتباه وما يستجلب الاهتمام، من تفاصيل ثالوثنا المحرم (الدين، الجنس والسياسة).
فكلما كان الاشتغال ً سطحياً، على هذه الأساسيات الثلاثة كلما كان “البوز” أقوى إثارة وأكثر تداولا في السياق العام.
لا يعني ما سبق أن التمشهدية أو “البوز” بلغة العصر، هي نتاج خالص للزمن الراهن، أبداً فلكل زمن فضائحياته وفظاعاته القصوى، لكن السياقات تختلف، فالرغبة في “الظهورانية” منغرسة في أعماق الإنسانية منذ البدء، ولهذا فالصيغ سارت في مسالك عديدة قبل أن تلاقينا اليوم في صورة فيديوهات وصور فوتوغرافية وتصريحات نارية وخرجات إعلامية تحتمل توصيف “البوز”. إن ادّعاء النبوة في أزمنة سحيقة من صميم تمشهدية عصرهم، وإن الصعلكة والإتيان بالغرائبي من سلوكات، هو من ذات الانقلاب على الجمعي والبحث في الآن ذاته عن اعتراف هذا الجمعي. فـ”البوز”، وفي كل عصر، هو بحث عن الاعتراف بالوجود، إنه تذكير للآخرين، بأنه ثمة شخص هنا، يريد منكم أن تعترفوا به.
اليوم، نجد أنفسنا، أمام رؤى جديدة تتلخص في مأسسة الجهل وصناعته، وتضبيع الناس، ومن تم الانقضاض عليهم “لتعليب” حياتهم والتحكم في أذواقهم، وجعلها وفق ما يريد القوي اقتصاديا وماليا وماديا. كلما تطورت التكنولوجيا، وكافة تبعاتها (شبكة التواصل الاجتماعي، الخ)، كلما تغلغت العديد من “الأفكار” الهادفة والراغبة في الربح.
قديما، كان المجد يبنى كتراكمات زمنية عديدة، قصدي، مثلا أن تصبح شاعرا أو روائيا أو مطربا أو موسيقيا، إلخ، عليك أن تشمر على سواعدك، وتسهر الليالي، إن أنت أردت أن تصل إلى تلك النجومية الحقيقية والفاعلة في الإنسان وفي الزمكان. إنه مجد حقيقي، يناله صاحبه وبشكل ملموس، بل، وحتى حينما يتوفى صاحبه، يبقى أثره النافع، كشعر أو ككتابة أو كموسيقى أو كعلم أو كفلسفة، الخ، داخل عوالمنا المتأخرة الجريحة، أو عند الآخر في شقه الثقافي والفني والإنساني.
اليوم، كل القيم تسير وفق رؤى مغايرة. كلمة ثلاثية (ربح)، هي عنوان بارز لكل ما يحيط بنا في هذه العولمة، حيث، الرغبة في الضغط على عنصر الزمن، ومن تم، صناعة نجومية، مربحة وبشكل سريع. في بضعة دقائق، من الممكن أن تبعثر أي شيء، لتجد نفسك، وقد أصبحت “نجما” كبيرا “تتهافت” عليك “الشركات” لتوقيع عقد “بيع” الوهم للناس، لأنك أصبحت “نجما” ساطعا.
فما علاقة “البوز” بموت الذوق ؟.
يكفي اليوم، أن تفتح، هاتفك المحمول صباحا، لتبدأ في تلقي قذف بصري وسمعي، (فيديوهات)… لنبحث وندقق في بعض المنتوجات البصرية، على سبيل المثال، والتي “تحقق” نسبة مشاهدة عالية، ومن تم “انتزاعها” للعديد من المكاسب المالية والمادية، الخ.
البحث عن “البوز”، هو اليوم معيار مبحوث عنه من لدن من يغني أو يعزف… معيار، سطح الذوق، وجعل القيم والرؤى والأذواق، تتغير وتتبدل.
يبدو أننا “سنصل إلى ما هو أسوأ من الصور والفيديوهات الخليعة التي تصنع البوز؛ لأنه، في آخر المطاف، ما كان يمارس بشكل حَميمي وداخل تجمعات بشرية محدودة أصبح اليوم يمارس عن طريق الافتراضي علنا”.
فالظواهر التي تشهدها الآن هذه التجمعات في وسائط التواصل الاجتماعي، كانت متجذرة داخل المجتمع؛ لكن بشكل محدود، ولم تكن هناك وسائط الاتصال لتوصله؛ والمشكل هو أن هذه التكنولوجيا الرقمية تقوم بتعريتنا عن طريق ما يسمى بالبوز، لأن الكثيرين لا يفهمون أن العالم الرقمي ليس افتراضياََ بل هو وجود عن بعد”.
إن مستخدم الويب المغربي -مثلا- لا ينجر بالضرورة وراء الطابوهات والفضائح؛ فعندما يعرض عليه محتوى تثقيفي وتعليمي جيد، فهو يتابعه، إذا كانت صناعة المحتوى متقنة ومبدعة وتحترم ذكاء المتلقي فإنها ستخلق البوز، فالمشكل مع المتلقي هو طريقة الطرح وليس نوعية المضمون المقدم.
وأما عن نوعية المحتوى الذي يحقق الانتشار ويخلق البوز بسرعة، هو أن “البوز” يلمس المخيال الجمعي للبشر، فعندما يعرض المحتوى الطابوهات، فإنه يثير هذه الجماعة لتشاهد ماذا يقع، لكن هناك جوانب أخرى لا تعالج الطابوهات ولكن تحدث البوز”.
وأما عن سعي العديد من الأشخاص وراء البوز بأي ثمن، فإنهم “يصلون إلى أهدافهم لكن بطريقة رخيصة، وتخلق مشاعر سيئة لدى الجمهور، فبالرغم من أن الشهرة تحققت؛ لكن الإشكال هو هل حافظ الشخص على صورته الجيدة مع الجمهور ليحضر في الواقع بدون الشعور بالعار.
في عصر انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والثورة في عالم الإنترنت، بات حب الشهرة او البوز يستحوذ على كثير من البشر، والسعي نحو تحقيق أكبر قدر من الشعبية والانتشار، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.
فكيف يمكن الحديث عن ظاهرة البوز من الناحية السيكولوجية وهل للنرجسية دور في إنتاج البوز وهل يمكن اعتبار هذه الشخصية تنطوي تحت لواء المرض؟…أم الأمر يتعلق فقط بظاهرة الموضة؟
فالرغبة في الشهرة -لدى هذا النوع- قد تخفي إحباطا أو اضطرابا نفسيا غير مشخص، كما تقدم الشهرة وعدا -كذلك- بالهروب من العزلة، سواء كان ذلك حقيقيا أو بصورة متخيلة.
إن عرض الذات يمكن التعبير عنه بالسلوك الذي “يتوخى توصيل بعض المعلومات حول الذات أو بعض من صورة الذات إلى الآخرين، وهو ما لا يتم “إلا إذا كان هناك من سيطلع على هذا العرض ومن سيقيمه. فحينها يتحرك المرء لعرض ذاته بدافعين رئيسيين، أولهما: هو إرضاء الجمهور، بمقارنة المعروض من الذات مع توقعات وتفضيلات الآخرين لينال إعجابهم وإثابتهم.
هو إرضاء الذات نفسها، أو بمعنى أدق بناؤها، وذلك عن طريق مقارنة المرء لها (ذاته الفعلية) مع التصور النموذجي لديه عنها (ذاته المرجوة)، فتراه يصدر للجمهور صورة الذات التي يود أن يكون عليها، لا ذاته التي هو عليها بالفعل، فترضى ذاته الفعلية عن تلك الصورة المعروضة التي تجتذب الإعجاب، وكأنها هي في حقيقة الأمر.
وكخلاصة؛ تبقى “التفاهة” طريقاََ مختصرا إلى “البوز” أو ” التمشهدية” والشهرة والظهورانية، لكنه مهدد في كل لحظة بالسقوط الفظيع، لأنه صعود مفاجئ و “نجاح” مؤقت لا يضمن الخلود، عابر، غير مؤسس على أسس متينة، يصنع مجداً زائفاً سرعان ما يقابله المتتبعون بسرعة النسيان، فبنفس درجة الصعود يكون الاندحار سريعا نحو النسيان.
فالبقاء يكون من نصيب الأثر الدال، وليس لـ”بوز” مُغرق في التفاهة والفضائحية، إننا في زمن الصورة نستحضر أفلاطون وأرسطو والفارابي وابن خلدون من أزمنة بعيدة، لكننا نعجز عن تذكر صاحب بوز الأسبوع الفائت، فالبقاء للأثر لا للتمشهدية المفتوحة على الرداءة والتفاهة.











