أخبار الشعب / هند بومديان
الكريساج أصبح جزءًا من المشهد اليومي في العديد من المدن المغربية، حيث لم يعد المواطن يشعر بالأمان لا في الشارع ولا حتى قرب بيته. تفشي هذه الظاهرة يعكس خللًا بنيويًا عميقًا في المجتمع، ويضع علامات استفهام كبرى حول دور الدولة، الأسرة، والمؤسسات التعليمية والتربوية في إنتاج جيل يجد في العنف وسيلة لتحقيق غاياته.
الأسلحة البيضاء لم تعد وسيلة دفاع، بل تحولت إلى أدوات رعب يلوّح بها المعتدون في وضح النهار دون خوف أو وازع. من يحمل السلاح الأبيض اليوم لا يتردد في استعماله لإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بضحيته، أحيانًا فقط لإثبات الهيمنة، لا من أجل السرقة. هذا التطور الخطير في سلوك الجناة يعكس حجم الاحتقان والغضب الكامن في فئات واسعة من الشباب، الذين كبروا في بيئات اختلط فيها الفقر بالقهر، وانعدمت فيها آفاق الحلم.
العنف في الشارع لا يمكن فصله عن الفقر، البطالة، وانعدام العدالة الاجتماعية. شوارع تعج بشباب عاطل، فاقد للثقة في المؤسسات، مهووس بالشهرة العابرة عبر فيديوهات الانستغرام والتيك توك، يُروّج فيها لبطولات كاذبة مستعرضًا ضحاياه وكأنه في فيلم. هذا التحول في الثقافة الشعبية يجعل من الجريمة بطولة، ومن الضحية مادة للسخرية أو التباهي.
غياب الردع القانوني الفعّال يغذي هذا الانفلات. العقوبات الخفيفة، أو التأخر في القبض على الجناة، أو حتى الإفراج عنهم دون محاسبة جدية، كلها عوامل تجعل الجريمة خيارًا سهلاً. المنظومة الأمنية وحدها لا تستطيع احتواء الوضع، إذا لم يُدعّم تدخلها بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وهيكلية تُعالج الجذور لا فقط النتائج.
أزمة الكريساج ليست أمنية فقط، بل أخلاقية وثقافية قبل كل شيء. ما دام الأطفال يُربّون على العنف في البيوت، والذكورية المتسلطة في الأزقة، وما دامت لغة القوة هي السائدة في الفضاء العام، فلن تتوقف السكاكين عن الرقص في الشوارع، ولن تنعم المدن بالهدوء. المطلوب ليس فقط القبض على المجرم، بل القضاء على الظروف التي خلقته.











