أخبار الشعب / هند بومديان

في مجتمع يُفترض أن يقدّر القيم ويُعلي من شأن العمل الشريف، صار الحدّ الفاصل بين المجد والانحدار ضبابيًا، بل في أحيان كثيرة، اختفى كليًا. وما قضية “هيام” سوى واحدة من الأمثلة الفاقعة التي تفضح اختلال البوصلة الأخلاقية والرمزية التي نوجّه بها وعينا الجماعي اليوم.
هيام، شخصية ولدت من رحم “اللاحدث”، وارتقت سلالم الشهرة على أكتاف الجدل والفضائح. تم اعتقالها، وأثناء قضائها لعقوبتها داخل أسوار السجن، رزقت بمولود، فانهالت عليها الأضواء، وتحوّلت قصتها إلى مادة دسمة على موائد التواصل الاجتماعي، لا لشيء، سوى أنها مثيرة… ومثيرة فقط.
لكن ماذا عن ذلك المواطن الذي يكدّ يوميًا ليُطعم أبناءه، عن الأم التي تُضحّي لأجل تعليم أبنائها، عن الآباء الذين يواجهون الإقصاء والتهميش رغم استقامتهم؟ لماذا لا تُسلّط الكاميرات على قصصهم؟ لماذا أصبحنا نمنح الشهرة والمال لمن يُخالف القيم، لا لمن يزرعها؟
قد يقول قائل: “الناس أحرار في اختياراتهم”، لكن السؤال الأعمق: من يوجّه هذه الاختيارات؟ ومن المستفيد من احتفاء جماعي بمن يسوّق للتفاهة والانحطاط وكأنها بطولة؟
رزقت هيام بمولود، هذا أمرٌ إنسانيّ لا يُلام عليه أحد، لكن المبالغة في تحويل الحدث إلى “أسطورة” يكشف عطشًا غريبًا لدى فئات من المجتمع للتعلّق بالعبث، واحتقار كل ما هو جاد وعاقل.
فهل نحتاج إلى مراجعة أولوياتنا؟
وهل ما نراه اليوم من تفاعل جماهيري مع هذه النماذج هو مجرد انعكاس لحالة مؤقتة، أم هو انحدار طويل الأمد؟
إن كنا نطمح إلى مجتمع سليم، فربما آن الأوان لنعيد الاعتبار لأناس يعيشون خارج دوائر الضوء، ويُربّون أبناءهم على الصمت، الشرف، والعمل، بعيدًا عن الضجيج الذي صار ثمنه أكثر من الذهب.
لقد صار لزامًا علينا، كمجتمع، أن نراجع بوصلتنا الأخلاقية، أن نُميّز بين من يصنع الفرق ومن يصنع الضجيج، بين من يُنتج قيمة ومن يُنتج فتنة. فالمجتمع الذي يصفّق للهراء سيجني المزيد منه، وسيُربي أجيالاً تعتقد أن الطريق إلى النجاح تمرّ عبر الإساءة والتجاوز.
فلنعد الاعتبار للمعنى، ولنتوقف عن تتويج اللاشيء، ولنزرع في أبنائنا حبّ البذل لا حبّ الظهور، فالأمم لا تُبنى على الإثارة، بل على القيم.












