” إِسُورْدْ نْكِّي نْكِّينْ أَيَا” .. ألست أنا هو أنا؟

MOSTAFA CHAAB8 يونيو 202379 عدد المشاهدات مشاهدةآخر تحديث :
” إِسُورْدْ نْكِّي نْكِّينْ أَيَا” .. ألست أنا هو أنا؟

أخبار الشعب..  بقلم/ ذ.ابراهيم الفتاحي

إِسُورْدْ نْكِّي نْكِّينْ أَيَا

كان لبعض الأشخاص ممن عشنا في محيطهم الاجتماعي، سواء كانوا من عائلتنا أو من االجيران وأهل المننطقة ممن توفاهم الله، تعابير خاصة بهم، وأساليب في الخطاب انفردوا بها عن غيرهم، فلم تكن لأحد قبلهم ولا صارت لأحد بعدهم؛ وكان للرجل الطيب عمي محماد (زوج عمتي) رحمه الله تعبير خاص به يستعمله أثناء الجدال مع أحد يسعى إقناعه، وهذا التعبير يدخل ضمن أساليب الاستدلال التي لطالما فكرت فيها من جهة المنطق الأرسطي، وإن لم يكن ضمن البرهان أو الجدل، فإنه على الأقل يدخل ضمن الخطابة. لم يعرف عمي محماد المنطق ولا أرسطو أو السفسطائيين أو الغزالي ولا ابن تيمية، فقد كان رحمه الله رجلا أميا بسيطا صادقا مسالما وديعا صبورا خدوما نقي السريرة، وحافظ طوال عمره على صفاء روحه واستقامة سلوكه، لقد كان نموذجا حقيقا بالحذو في كثير من الأمور، ولا يمكن لمن عرفه إلا أن يقول فيه خيرا؛ لكن في المقابل كان قويا في الجدال دفاعا عن الحق، وكان يستعمل مقدمات خاصة به كما قلت آنفا، ولطالما ترددت في ذهني تلك المقدمات التي كان يوظفها ونبراته الصوتية القوية وحركات يديه ووجهه في غمرة الجدال؛ فقد كان يفتتح استدلاله، وهو ينظر في عيني المخاطَب بقوة ويقترب منه، كما يلي:
يقول: إِسُورْدْ نْكِّي نْكِّينْ أَيَا؟ (ألست أنا هو أنا؟)
فيجيب المتلقي: ياه (نعم)
ثم يقول له: إِسُورْدْ كْيِّي كِيِّينْ أَيَا (ألستَ أنت هو أنت)
يجيب المتلقي: يَاهْ تْغْزَانْتْ (نعم صدقت)
ثم يقول: إيوا هاتي كذا كذا أو يقول: إيوا هاتي القضية أُورْدْ كذا وكذا ( أي يثبت أو ينفي حسب النتيجة التي يريد الوصول إليها)
لم يكن عمي محماد يكتفي في هذا الاستدلال الرهيب دائما بمقدمتين فقط، فأحيانا يضيف ثالثة حيث يقحم الاستدلال بوجود شخص ثالث وهويته من بين الحضور، كأن يقول: إِسُورْدْ فلان نْتاَّنْ أَيَا؟ (أليس فلان هو هذا).
كان معي محماد يضع مخاطَبه في مأزق صعب، حيث يلزمه في البداية ببديهيات تتعلق بوجوده هو نفسه وهويته، ثم بوجود مخاطَبه وهويته، وأخيرا يعضُد إلزامه بوجود شخص ثالث من الشهود وهويته؛ ولأن المتلقي لا يملك إلا التسليم ولا يستطيع إنكار هذه المقدمات ولا الشك فيها، فهي من البديهيات التي لا تحتاج دليلا عند المتلقي ولا عند الحاضرين، خصوصا وأنهم يشتركون جميعا في مقتضى الحال الذي يُسوِّر الخطاب عموما، ومُنكِر تلك المقدمات يكون أحمقا ومثارا للسخرية، فإنه يجد نفسه ملزَما بالتسليم بالنتيجة. قد لا تكون هناك علاقة لزوم بين المقدمات والنتيجة، إذ إن المقدمات يقينية، بينما النتيجة قد تكون ظنية غير يقينية، وهي ليست متعلقة عادة بالمقدمات ولا تنتج عنها بشكل مباشر وغير متضمنة فيها، ومضمونها مختلف تماما عن مضامين المقدمات، لكن عمي محماد يعضد الاستدلال ويقويه بنبرات الصوت وحركات الملامح واليدين، إضافة إلى التتابع والترابط في عناصر الخطاب، فيجعل المتلقي يسلم له بسرعة دون تفكير؛ فقد كان يسيطر على الذهن ويمنعه من تفكيك الخطاب في تلك اللحظة، وبذلك ينتصر عمي محماد.
شاركت هذا الأسلوب فيما بعد مع صديقي حسن في الجامعة، والذي عرف صاحبه عن قرب، وصرنا نوظفه من حين لآخر، كان يؤنسنا وينزع قهقهاتنا، ولكنه كان دائما حريا بالتفكير والتحليل، وكان حقيقا بالاعجاب، خصوصا وهو صادر من رجل لم يعرف أبدا وجود شيء اسمه المنطق ولا اللسانيات ولا الحجاج والاستدلال. واليوم بات كثير من الأصدقاء يعرفون استدلال “إسورد نكي نكين أيا” وعلى رأسهم صديقي أحمد.
واخيرا أقول لكم:
إسورد نكي نكين أيا؟
كني كنين أيا؟
الفايسبوك نتان أيا؟
ولأنكم ستجيبون بالتوكيد وأنتم ترددون: ياه
لذلك أقول لكم جميعا:
إيوا هان غاد نيغ إصحا.
فرحم الله عمي محماد وأسكنه فسيح جناته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اخبار عاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق