جيل ليبوفتسكي وظاهرة الاستهلاك الجامح

MOSTAFA CHAAB3 يونيو 202230 عدد المشاهدات مشاهدةآخر تحديث : الجمعة 3 يونيو 2022 - 10:12 مساءً
MOSTAFA CHAAB
أقلام حرة
جيل ليبوفتسكي وظاهرة الاستهلاك الجامح

 

اخبار الشعب /- حافظ إدوخراز

يرتبط رصْد الفيلسوف وعالِم الاجتماع الفرنسيّ جيل ليبوفتسكي لظاهرة الاستهلاك الجامِح (hyperconsommation) في المُجتمعات المُعاصرة بظاهرة سابقة رَصدها في أوّل كِتاب دشَّن به مشروعه الفكريّ وصَدَرَ في العام 1983 عن دار غاليمار (Les Editions Gallimard)، ويحمل عنوان “عصر الفراغ: الفردانيّة المُعاصِرة وتحوّلات ما بعد الحداثة” (صدرت ترجمته العربيّة في العام 2018 عن مركز نماء للبحوث والدراسات/ ترجمة حافظ إدوخراز). ويتعلّق الأمر هنا بظاهرة الفراغ أو الخواء “الإيديولوجيّ” المُتمثّل باندثار القضايا الكبرى عند الإنسان وسقوط الأوهام الثوريّة وموت الإديولوجيّات والسرديّات الكبرى.

هذا الفراغ المُلازِم لمرحلة ما بعد الحداثة نتجت عنه مجموعة من التحوّلات العميقة على مستوى الفرد والمُجتمع مثل جموح الفردانيّة والتمركُز حول الذّات والانشغال بها عمّا سواها والبحث عن المصلحة الذاتيّة أوّلاً وأخيراً، والانسحاب تدريجيّاً من السياسة ومن الفضاء العمومي بشكلٍ عامّ (ظاهرة العياء الديمقراطي المتجلّي مثلاً في تراجُع أعداد المُنخرطين في الأحزاب السياسيّة والنقابات وتدنّي نِسب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابيّة)، وإحلال البحث عن المُتعة مكان النضال السياسي والسعي نحو الثروة محلّ حلم إنجاز الثورة. يرى ليبوفتسكي أنّ إنسان ما بعد الحداثة، الذي أصبح فارغاً من أيّ قضيّة كبرى يحمل همّها ويعيش في سبيلها وتمنح معنى لوجوده، كان لقمة سائغة وفريسة سهلة للآلة الرأسماليّة الهائلة التي استغلّت حالة الفراغ والهشاشة النفسيّة عنده وقامت بتطويعه وتدجينه وتحويله إلى ذاتٍ استهلاكيّة عبر استثمار جميع وسائل التسويق الحديثة (الإعلام الجماهيري ونتائج الأبحاث في عِلم النَّفس) في سبيل إثارة رغباته وتحفيز شهواته وتفجير لاوعيه. لقد أعطت الرأسماليّة الحديثة في النصف الثاني من القرن العشرين وعداً للإنسان بتحقيق الفردوس الأرضي (على حدّ تعبير المفكّر الراحل عبد الوهّاب المسيري) من خلال نعيم الاستهلاك المُتواصل والمُتجدّد باستمرار، وأصبح الاستهلاك هو العبادة الوحيدة التي شرّعتها آلهة الدّين الرأسمالي الجديد دوناً عن كلّ الطقوس. لكنْ هل وَفَت الرأسماليّة بوعدها بعد هذه العقود كلّها، وهل حقَّق الاستهلاك الجامح السعادة الدنيويّة للإنسان وخلّصه من الألم والمُعاناة؟ وهل في إمكانه أصلاً أن يُحقِّق ذلك؟

من المُمكن أن نبحث عن عناصر إجابة عن هذه الأسئلة في كِتاب آخر ألّفه ليبوفتسكي بعد أكثر من عقدَين من صدور كِتابه الأوّل “عصر الفراغ”، ويتعلّق الأمر بكِتاب “السعادة المُتناقِضة: مقالة حول مجتمع الاستهلاك الجامح” الذي نشرته دار غاليمار في العام 2006. وهذا الكِتاب هو ثمرة لجهدٍ بحثيّ أشمل وأعمّ من موضوع هذه المقالة، ويتناول بالدراسة قضيّة التحوّلات التي عرفتها الرأسماليّة بدخولها مرحلة الاستهلاك الجامح والظواهر التي رافقت هذا التحوّل في المجتمعات الغربيّة. والكاتب معروف بقدرته الفائقة على رصد التحوّلات الاجتماعيّة في المجتمعات الغربيّة ووضْعها تحت مجهر البحث العِلمي القائم على الدراسة الميدانيّة وإعمال الأدوات المنهجيّة المُتعارَف عليها أكاديميّاً في مجال عِلم الاجتماع، ومعروف أيضاً بمَهارته في إبداع المفاهيم النظريّة التي تُساعد على تحليل الظواهر الاجتماعيّة المرصودة وجعْلها قابلة للفهم والاستيعاب. وينطلق ليبوفتسكي من مُفارَقة تبعث على الحيرة: من جهة عرفت المجتمعات الغربيّة (والشيء نفسه ينطبق الآن على الكثير من المجتمعات الأخرى التي لحقت بركب الرأسماليّة العالَميّة) تطوّراً هائلاً على مستوى الإنتاج والنموّ الاقتصادي خلال العقود الأخيرة وبلغ الاستهلاك مستويات غير مسبوقة في تاريخ البشريّة، لكنْ من جهة أخرى، لم يكُن الإنسان أكثر تعاسة ممّا هو عليه اليوم ولم تشهد الأمراض النفسيّة والعصبيّة مثل هذا الانتشار الرهيب الذي تعرفه اليوم. يقيناً ليس الناتج المحلّي الإجمالي ولا معدّلات النموّ الاقتصادي ولا حجم السلع التجهيزيّة التي تتوافر لدى الأسر (مَساكن، سيّارات، تجهيزات منزليّة) مؤشّرات تدلّ على السعادة من قريب أو بعيد؛ إلى هذه النتيجة يخلُص ليبوفتسكي الذي يرى في هذه المؤشّرات الاقتصاديّة نَوعاً من الصّنميّة الجديدة، وشكلاً من أشكال الأساطير الحديثة التي حلَّت مكان الميتولوجيا الدينيّة القديمة.

ضريبة النموّ الاقتصاديّ: سعادة مجروحة

لقد استطاعت الآلة الرأسماليّة تزويد الإنسان بالمزيد والمزيد من السلع والخدمات، ونجحت في إشباع الكثير من حاجاته الماديّة (على حساب الطبيعة)، لكنّها لم تفلح أبداً في إشباع حاجاته النفسيّة (الشعور بالانتماء، تحقيق الذّات والرضى عن النَّفس، الاستقرار النَّفسي، إضفاء المعنى على الوجود…) ومداواة القلق الوجودي الذي صاحبَ رحلة الإنسان على هذه الأرض. بل إنّ حتّى الإشباع المادّي لم يكُن بلا مقابل، وكانت له ضريبة نفسيّة تمثَّلت في كلّ ذلك الكمّ الهائل من الضغط الاجتماعي والتوتّر المُلازِم لنمط الحياة المُعاصر والأمراض النفسيّة الناتجة عن ذلك، وفي الإحساس بالظلم والغبن والإحباط الناتج عن التفاوت والفوارق الاجتماعيّة التي وصلت إلى مستويات صارخة حتّى في أكثر البلدان ديمقراطيّة في العالَم، فضلاً عن الخوف وعدم الاستقرار بسبب غياب الأمن الوظيفي ونسْف البنيات الاجتماعيّة التضامنيّة التقليديّة (الأسرة الممتدّة أنموذجاً)، والتسابُق المحموم بين الناس نحو الاستهلاك بغرض التباهي والتفاخُر وتأكيد المستويات الاجتماعيّة والانتماءات الطبقيّة ولو على حساب التوازن المالي (المديونيّة) والصحّي (العمل لساعات طوال وأيّام العطل). إنّ ضريبة النموّ المتواصل واللّامحدود لم تكُن بيئيّة فقط، أي من نصيب الطبيعة، وإنّما كانت أيضاً نفسيّة دفعها الإنسان صاغراً. لقد أفضت المتع الماديّة والحسيّة التي يحقّقها الاستهلاك إلى سعادة مجروحة: مزيد من السلع ومزيد من الاستهلاك، وفي المقابل ألم ومُعاناة نفسيّة وإحباطات. تدعونا هذه المُفارَقة التي رصدها ليبوفتسكي إلى التأمّل مليّاً في وضْع الإنسانيّة ومُراجَعة يقينيّاتنا بشأن الطريق التي نمشي فيها حاليّاً. إنّ الاستهلاك المادّي قادرٌ حتماً على إشباع حاجاتنا الماديّة لكنّه قاصرٌ عن إشباع احتياجاتنا النفسيّة، ومزيد من الاستهلاك لا يعني بتاتاً مزيداً من السعادة وإنّما يعني متعة لحظيّة عابرة فقط، تزول بسرعة، فنجد أنفسنا في دوّامة البحث عن مزيدٍ من الاستهلاك مثلما يفعل المُدمِن على المخدّرات؛ إذ كلّما أخذ جرعة تحقِّق له نشوة زائلة تلقّى دعوة من دماغه بتناوُل جرعة أخرى.

في الختام، يرى ليبوفتسكي أنّ الاستهلاك الجامح إنّما هو شكل من أشكال التطرّف الذي صار سمةً لهذا العصر، وأنّ هذا التطرّف هو تحديداً ما ينبغي انتقاده وليس الاستهلاك في حدّ ذاته حينما يكون راشداً وعقلانيّاً، وبالتالي فهو لا يدعو إلى الزهد ولا يرغّب في طريقة عيش النسّاك، وإنّما إلى الاعتدال (نقيض التطرّف) في كلّ شيء بما في ذلك الاستهلاك، والوعي بأنّ السعي وراء تكديس السلع والأشياء واللّهث وراء العلامات التجاريّة ليس هو الهدف الأخير للوجود ولا الغاية من الحياة. ومن جهة أخرى يدعو ليبوفتسكي الحكومات أن تتبنّى إلى جانب السياسات الإيكولوجيّة الرامية إلى حماية البيئة والحفاظ على الطبيعة، سياساتٍ تهتمّ بما يسمّيه بإيكولوجيا الروح والوجود بشكلٍ عامّ. ويُطالِب في هذا الإطار بإبداع أنماطٍ جديدة من التعليم والعمل تسمح للأفراد بتأسيس هويّاتهم الفرديّة وتحقيق ذواتهم وإشباع احتياجاتهم النفسيّة على أرض أخرى من غير جنان الاستهلاك الزائلة والعابِرة. يقول ليبوفتسكي إنّ المهمّ هو أن يستطيع الإنسان من خلال الشغف باهتمامات أخرى أن يضفي النسبيّة على عالَم الاستهلاك المادّي، ما سيفتح له آفاقاً أخرى للإشباع النفسي قوامها الحكمة ونزْع الأوهام عن النَّفس.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق