كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال لقائه بالمسؤولين القضائيين الجدد بمحكمة النقض

اخبار الشعب
مجتمع
اخبار الشعب22 نوفمبر 201996 مشاهدةآخر تحديث : الجمعة 22 نوفمبر 2019 - 12:45 صباحًا
كلمة الرئيس الأول لمحكمة النقض الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية خلال لقائه بالمسؤولين القضائيين الجدد بمحكمة النقض

الشعب/

الخميس 21 نوفمبر 2019


بسم الله الرحمان الرحيم
والحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه؛

​اسمحوا لي أن أعبر لكم عن عظيم سعادتي بتواجدكم معنا اليوم بهذا البيت الوقور محكمة النقض لنحتفي جميعا بحدث تعيينكم كمسؤولين قضائيين بعد موافقة الجانب الشريف رئيس المجلس الأعلى للسلطة ا لقضائية أعز الله أمره .

​مكرمة ملكية سامية لها عميق الأثر والدلالة في نفوسنا ، تعبر عن العناية السامية الموصولة بأسرة القضاء وتعهد جلالته لها بالرعاية والدعم صونا لكرامة أفرادها وقدسية رسالتها .

​وهي لعمري وسام نضعه فوق صدورنا وأمانة وطنية عظيمة تطوق أعناقنا وتطالبنا بمزيد من العمل الجاد الدؤوب لنكون في مستوى هذه الثقة الملكية الغالية .
​فالله نسأل أن يحفظ ملكنا الهمام ذخرا وملاذا لهذا الوطن وأن يعينه ويسدد خطاه ويوفقه لما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه .
السيدات والسادة الأفاضل؛
​تزداد سعادتنا اليوم ونحن نكرس هذا التقليد القضائي الهام وهذه القيم الاعتبارية الاصيلة بحضور قامات ونخب وطنية وازنة أبت إلا أن تشارك هذا الفوج الجديد من المسؤولين القضائيين مشاعر الاعتزاز والتقدير في لحظة مهنية متفردة بأبعاد إنسانية كبرى تشهد على عراقة هذه الأسرة وتلاحمها.

​اليوم مناسبة متميزة تؤكد فيها هاته القامات الفكرية والمهنية على أن القضاء قيم راسخة جيلا بعد جيل قوامها الاحترام والتواصل والتناصح.

​ فلكم أيها السيدات والسادة الأفاضل كل عبارات الشكر والثناء على هذا الحضور وهذه المشاركة الوازنة ذات الدلالات الكبرى المتعددة، ومن خلالكم نوجه كل آيات الإكبار والاعتزاز بقاضياتنا وقضاتنا الرواد الأوائل الذين لم يدخروا أي جهد من أجل بناء صرح العدالة بكل وطنية ونكران الذات.
​والشكر موصول للسيدات والسادة أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية وكل من ساهم في كسب رهان إنجاح عملية الانتقاء والاختيار بعد جلسات عمل طوال حرصنا فيها بكل حزم ودقة على اختيار من اجتمعت فيه المواصفات والكفاءات والمعايير لتحمل مسؤولية إدارة وتسيير عدد من محاكم المملكة، وهي بكل تأكيد ليست بالمهمة اليسيرة بل تطلبت منا عددا من الإجراءات والتدابير والكثير من الحكمة والتبصر والبعد الاستراتيجي في قراءة الاحتياجات واختيار الكفاءات القادرة على رفع التحديات والمساهمة في بناء عدالة تليق بالمغرب، مغرب الأوراش الإصلاحية الكبرى، مغرب التميز، مغرب المواطنة والحرية والكرامة ومغرب التنمية والعدل والإنصاف ، مغرب محمد السادس.
السيدات والسادة المسؤولين القضائيين؛
​يحق لكم أن تفخروا اليوم بهذا الانتقاء والتعيين كدليل على تميزكم وكتتويج لمجهوداتكم طيلة مساراتكم المهنية التي عبرتم فيها عن الكثير من الجدية والانضباط والمبادرة والاجتهاد من أجل إيصال الحقوق لأهلها وتكريس الثقة لدى المتقاضين من خلال تطبيقكم العادل للقانون وتفعيلكم لأسس الأمن القانوني والقضائي المنشود.
​لكن الأكيد أيضا أنكم مدركون بأن هذا التشريف وهذا التعيين ما هو إلا محطة انطلاق جديدة ، أنتم مطالبون فيها بمضاعفة الجهد بالرفع من قدراتكم ونجاعتكم وبذل مزيد من العطاء التضحيات .
​المسؤولية التي أنتم مقبلون على تحملها اليوم لن تكون امتيازا بل أمانة وعهد وميثاق، وموعد مع مستقبل العدالة بهذا الوطن لا يمكن أن نخلفه، ونحن في مرحلة دقيقة وحساسة نؤسس فيها لسلطة قضائية أصيلة في قيمها متجددة في آليات اشتغالها وفلسفتها، قوية بحكامتها ونجاعتها.

​ستكون أمامكم انتظارات متعددة بالدوائر القضائية التي ستلتحقون بمحاكمها بعد أيام قلائل.

​المجتمع سيرقب آثار التغيير ومظاهر الإصلاح في سلوككم وسمتكم، في عملكم وخبرتكم، وفي طريقة إدارتكم وتدبيركم .

​يجب أن تكونوا القدوة والنموذج في الاستقلالية والحياد والنزاهة والكفاءة والتجرد، التي لا مجال للتفريط فيها أو التهاون بشأنها .
​إن القضاء والفصل في الخصومات لن يستقيم والعدل لن يتحقق إذا فرطتم فيها أو فتحتم أي منفذ للاستهتار بها.
​إنها حصنكم من المزالق وملجأكم عندما تضيق السبل، وهي قوتكم النابعة من ضميركم المسؤول التي ستكسبكم احترام وتقدير الجميع .
​وهنا لابد من التأكيد على أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية حريص بشكل حازم على أهمية اكتساب الثقة من خلال التمسك بالأخلاقيات والقيم القضائية .
​أخلاقيات أنتم مطالبون لا فقط بتجسيدها في سلوككم وعملكم وإدارتكم بل وأيضا بالسهر على إشاعتها واحترامها بدوائر نفوذكم سواء من طرف القضاة العاملين معكم أو في علاقاتكم بمحيطكم المهني والمجتمعي.
​وفي هذا السياق أدعوكم وبكل إلحاح أن تجعلوا من محاكمكم نماذج فاعلة في مكافحة كل مظاهر الفساد وذلك باتخاذ كل التدابير والإجراءات وفقا لمعايير النزاهة والشفافية .
​ليس من المقبول بتاتا التسامح مع مظاهر التسيب أو التجاوز التي قمنا برصدها سواء بمناسبة ولوج المكاتب والمصالح والأقسام أو قاعات الجلسات أو مكاتب القضاة أو غيرها من مرافق المحاكم أو حتى بمحيطها .
​احرصوا على أن تبقى المحاكم فضاءا خالصا لإنتاج العدالة وحل النزاعات بين المتقاضين وتقديم الخدمات القضائية للمرتفقين فقط لا غير.
​حافظوا على حرمة المكان ووقار البذلة وهيبة الصفة التي يحاول البعض انتهاكها من المتطفلين والمستهترين والسماسرة الذين يتاجرون بمشاكل الناس وهمومهم ويستغلون جهلهم ونقص خبرتهم ويستفيدون من عدم ضبط ومراقبة ما يتم في ردهات المحاكم ومكاتبها ومحيطها من سلوكات وممارسات منافية للقانون وللقيم .
السيدات والسادة الأفاضل؛
​المسؤول القضائي الذي نريده اليوم لا يغلق عليه أبواب مكتبه.
​المسؤول مطالب بالإنصات الواعي الايجابي لشكايات المتقاضين، مبادر إلى توقي الأزمات واستباق الحلول واتخاذ المبادرات بكل جرأة وإرادة جادة .
​المسؤول اليوم يجب أن يكون عالم اجتماع ومسؤول تواصل وخبيرا اقتصاديا وإداريا ناجعا .
​لا يمكن للمسؤول اليوم أن يحصر مهامه في عمل إداري روتيني دون التوفر على رؤية استراتيجية واضحة الأهداف ولا أن يقتصر على البت في القضايا التي يختص بها دون أخذ بعين الاعتبار محيطها السوسيواقتصادي وأبعادها الحقوقية والثقافية.
​نريدكم أن تكرسوا عدالة قريبة من المواطن.

قرب يتجاوز البعد الجغرافي إلى قرب إنساني قوامه الكرامة والحرية والمسؤولية.

​عدالة تجد مصداقيتها في أحكام قضائية منصفة تحترم قواعد المحاكمة العادلة داخل آجال معقولة .

​وتأكدوا أن من أشد أنواع الظلم التأخر في استيفاء الحقوق.

وهي مهام جسيمة ستستطيعون إنجازها وتخطي صعابها من خلال إقامتكم واستقراركم بدوائركم القضائية وتواصلكم المثمر مع العاملين معكم من قضاة وأطر كتابة الضبط وباقي مكونات أسرة العدالة وأدائكم الفعال لمهام التأطير والمراقبة والتوجيه بعيدا عن السلبية والتساهل، وفي جو يسوده الاحترام والانضباط وفق قيم الأسرة الواحدة المنسجمة .
زميلاتي زملائي؛
​السلطة القضائية التي ستمثلونها اليوم بمحاكمكم، تقع على عاتقها مسؤوليات والتزامات دستورية وتنظيمية وقانونية وحقوقية متعددة ، من أجل المساهمة في تكريس دولة المؤسسات ومواكبة المتغيرات ومواجهة التحديات.
​ولعل من أهم التحديات التي فرضتها علينا العولمة والثورات التكنولوجية والتواصلية، هو ضرورة الوصول إلى ” محاكم ذكية ” تقدم الخدمات وفق آليات حديثة سريعة وآمنة.
​ومن ثمة فإنكم مطالبون كمسؤولين قضائيين بضرورة مواكبة هذه المتغيرات والحرص على تفعيلها والاجتهاد في حل المشاكل التي تعترضها والمساهمة في إنجاح هذا الورش الكبير الذي أكدت عليه التوجيهات الملكية السامية في عدد من المناسبات .
​واجعلوا من دوائركم القضائية فضاء معرفيا مهنيا للحوار والنقاش بخصوص القضايا والمواضيع ذات الأهمية العملية وذلك من خلال مقاربات تشاركية مع كل الفاعلين سواء في شكل لقاءات أو ندوات أو ورشات أو إصدارات أو أي آلية تواصلية تتيح لكم تبادل الرؤى العملية الواقعية وتفرز ثقافة قانونية وقضائية تعزز نجاعة السلطة القضائية وتكرس مكانتها كدعامة أساسية لحماية الحقوق والحريات وهي التزامات كبرى لن يتأتى لكم تحقيقها إلا بتحفيز الجميع من أجل الانخراط في هذه المسؤولية الوطنية .
السيدات والسادة الأفاضل؛
​الدوائر القضائية التي عينتم بها تنتظر منكم الكثير كممثلين للسلطة القضائية بكل تمثلاتها المجتمعية وأدوارها الدستورية والإصلاحية .
​ونحن من موقعنا بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية سنكون في تواصل دائم معكم حريصين على تتبع مساراتكم ودعم جهودكم وتقييم أعمالكم وتوفير كل الإمكانات اللازمة حتى تؤدوا رسالتكم ومهامكم في أحسن الظروف.
​وأبوابنا ستكون كما عهدتمونا مفتوحة أمام مبادراتكم منصتة لانشغالاتكم .
​كما أوصي السادة الرؤساء الأولين والسادة والوكلاء العامين بأهمية مساندتهم لهذه الثلة الخيرة من المسؤولين القضائيين خاصة الذين يتقلدون المسؤولية لأول مرة حتى يؤدوا هذه الأمانة بكل سلاسة ويسر.
​فكل الدعاء لكم بمزيد من النجاح والسداد ، مجددا لكم عبارات التهنئة على الثقة المولوية الغالية التي نلتموها سائلا العلي القدير أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه.
۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا۞. صدق الله العظيم
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته؛

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

%d مدونون معجبون بهذه: