أطفال الشوارع… ضحايا وطن أم فشل سياسات.

habibtarik29 مايو 202516 مشاهدةآخر تحديث :
أطفال الشوارع… ضحايا وطن أم فشل سياسات.

أخبار الشعب / هند بومديان

 

في زاوية من زوايا المدينة، يجلس طفل صغير على رصيف بارد، يمد يده لكل عابر، لا يطلب الكثير، فقط لقمة تسد رمقه أو نظرة حنان تعيد له شيئًا من إنسانيته المهدورة. ملامحه باهتة، وعيناه أوسع من عمره، كأنهما تحملان فصولاً من الألم لم يُكتب لها أن تُقال. هو ليس مشردًا كما تصفه بعض التقارير الجافة، بل إنسان صغير تخلّى عنه العالم، وتركه يواجه الحياة بأيدٍ فارغة.

أطفال الشوارع ليسوا ظاهرة عابرة، ولا مشهداً مؤقتًا في فيلم وثائقي يُعرض لمرة واحدة في مناسبة رسمية، بل هم واقع يومي يعكس عمق الخلل الذي ينخر مجتمعًا بأكمله. هم ضحايا أسر مدمرة، وفقر مدقع، وعنف منزلي، وانعدام تام للرعاية. لكن الأهم من كل هذا، أنهم ضحايا لسياسات فاشلة لم تستطع حتى اليوم أن تصنع لهم بديلًا عن العراء.

غالبًا ما تُحمَّل الأسرة وحدها مسؤولية هؤلاء الأطفال، وتُتهم بالتقصير أو التفكك. لكن الحقيقة أوسع من ذلك. حين تفشل الدولة في تأمين حق التعليم، وحق الرعاية الصحية، وحق الحماية من العنف، فإنها تترك الشارع يتكفّل بالباقي. والشارع لا يربّي، بل يُشوّه. فيه يتعلم الطفل أن الحياة معركة، وأن النجاة لمن يسبق إلى سرقة الخبز أو الهروب من رجل الأمن. هناك، لا أحد يسأل عن الأحلام، ولا أحد يشرح معنى العدالة.

 

الحلول الظرفية التي تُطلق من حين لآخر، لا تعالج شيئًا. حملات “تنظيف” المدن من أطفالها لا تعني إنقاذهم، بل مجرد إزاحتهم إلى الهامش، أو إلى مؤسسات إيواء تفتقر للحد الأدنى من الكرامة. كم من طفل تم اقتياده إلى مركز للإصلاح، ليخرج منه أكثر ضياعًا وانكسارًا؟ وكم من مسؤول تحدث عن حقوق الطفل أمام الكاميرات، ثم أغلق الباب خلفه وترك آلاف الأطفال يواجهون الليل وحدهم؟

 

إن أطفال الشوارع ليسوا مجرمين صغارًا، بل أطفالًا سرق منهم الزمن حقهم في الحياة الآمنة. تراهم يبيعون المناديل، يمسحون الزجاج، يحملون الأكياس، يركضون بين السيارات، ويتعرضون يوميًا للعنف، والتحرش، والاستغلال بجميع أشكاله. ومع ذلك، حين يسقط أحدهم في الجريمة أو الإدمان، نسرع في إدانته، دون أن نسأل أنفسنا: من علّمه الكراهية؟ ومن زرع فيه الغضب؟

 

السكوت عن هذه المأساة جريمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام في تقارير وزارية، بل وجوه، وأسماء، وأحلام مكسورة. كل واحد منهم كان من الممكن أن يكون طبيبًا، أو فنانًا، أو معلمًا، لو وجد فقط من يأخذ بيده بدل أن يشيح عنه وجهه.

 

لقد تعبنا من الاحتفال بيوم الطفل العالمي في حين يُهان الأطفال في شوارعنا كل يوم. تعبنا من الشعارات، ومن البرامج التي لا ترى النور، ومن حملات التجميل التي تخفي الخراب خلف الجدران. ما نحتاجه ليس مزيدًا من الخطابات، بل فعلًا حقيقيًا يعيد لهؤلاء الصغار حقهم المسلوب في الطفولة، في الحلم، وفي الوطن.

 

هل نحن مستعدون لمواجهة الحقيقة؟ هل نملك الشجاعة لننظر في أعين أطفال الشوارع ونسأل أنفسنا بصدق: هل هم ضحايا وطن لم يعرف كيف يحتضن أبناءه، أم أنهم ببساطة ضحايا سياسات اختارت أن تتجاهلهم؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة