أخـــبــار الـشــعــب/ البشيري بنرابح
هذا المقال يسترجع روح حي درب المعيزي، مسقط رأسي، الذي اختفى مع تسارع العصرنة في كازابلانكا، حيث ابتلعته مشاريع التطوير وجرافات التحديث التي طمست ذاكرته وجذوره.
هو محاولة لإحياء ذكريات الحيّ وأثر رجاله الذين شكلوا مجتمعًا نابضًا بالحب والإنسانية قبل أن تتحول المدينة إلى ما هي عليه اليوم.
في قلب كازابلانكا، المدينة التي تسابق الزمن نحو العصرنة، اختفى “درب المعيزي” كما الذكريات، خلف أبراج الزجاج والخرسانة. حيّ لم يعد له وجودٌ مادي، لكنه لا يزال قائمًا في الذاكرة، يسكن وجدان من عاشوا فيه طفولتهم.
“درب المعيزي”، مسقط رأسي، لم يكن مجرّد حي، بل وطن صغير دافئ، تملؤه العفوية، والصدق، وروح الجُورة كما كانت تُعاش في زمن الألفة. كان ساحة مفتوحة للفرح، وصدى ضحكات الأطفال وهم يركضون خلف كرة بلاستيكية، تحت أنظار الأمهات من النوافذ نصف المفتوحة. هناك، تشكّلت أولى ملامح الوعي، واختلطت البراءة بصوت الحياة.
في ركن من الحي، كانت رائحة الصمغ وصرير الألواح الخشبية تنبعث من “المسيد”، الذي يفتح أبوابه بعد صلاة الصبح على هدوء مهيب. وهناك، في صدر ذاك الفضاء الروحي، جلس رجل استثنائي… والدي، الفقيه السي البشير أبا العبدي، الإمام المتواضع، والمربي الصادق، الذي علّمنا مخارج الحروف، وهذّب ألسنتنا، وزرع فينا محبة القرآن.
رحمه الله، لم يكن مجرد محفظٍ لكتاب الله، بل كان أبًا روحيًا، وإمامًا بقلب معلّم، يزرع فينا القيم قبل الآيات، ويهذّب النفوس كما يُهذّب اللسان.
تولّى الإمامة في مسجد “الدريجات”، كما كان يُعرف آنذاك في درب السنغال، حيث كان يؤمّ الناس في الصلوات الخمس، بصوت خاشع وحضور مهيب. وهناك، في ذلك المسجد المتواضع، تشكّل فينا الإيمان الأول، ونبتت جذور الروح.
كان والدي يردد دومًا، بعين الحِلم وصوت الحكمة:”تصبر يا ابني، ففي الصبر حلاوة.”
حكمةٌ رافقتني منذ الطفولة، وظلّت تهديني في دروب الحياة، كما أضاءت طريق من عايشوه وتعلموا على يديه.
وفي مدرسة الكندي بنين، سطع نجم الحاج إبراهيم مبروك، الرجل الذي جمع بين الصرامة والحب، بين الحكم الدولي وهيبة المسرح. لم يكن فقط أول من علّمني أبجديات الوقوف على الخشبة، بل علّم أجيالًا كيف يحترمون الكلمة والإيقاع، وكيف يلتزمون بالمسرح كفن ومسؤولية.
كان رجل تعليم من طراز خاص: أحب الأطفال فأحبوه، وأعطى من وقته وموهبته دون انتظار مقابل.
لم يكن أثر الفقيه السي البشير، ولا الحاج مبروك، لحظيًا أو محدودًا بجيل بعينه؛ بل تركا بصمة عميقة في أطفال الحي الذين صاروا اليوم رموزًا في مجالات شتى: من بينهم فنانون، أطر تعليمية، قضاة، رياضيون، وأكاديميون… وكلهم يحملون في ذاكرتهم بذور ما زرعاه من نور، أينعت ثمارًا تُحصد اليوم في كل مكان.
في “درب المعيزي”، لم تكن الحيطان وحدها شاهدة، بل حتى رائحة البحر عند شط “أمريزيكة”، ووقع أقدامنا في الزنقة، ونبض أمهاتنا من خلف الستائر.
أما اليوم، وقد مُسح الحي بالجرافات، واستوى بالأرض، فلم يتبقَّ منه شيءٌ قائم… سوى ما بقي فينا من ملامح الطفولة، وعبق الذكريات، وحِكم رجال وطنيين غرسوا فينا القيم بصمتٍ وصدق.
من درب المعيزي، درب الطالبات، درب الصوفي، زنقة بن سلامة، درب السنغال، بوطويل… ستظل هذه الأحياء تنبض في ذاكرتنا، ما حيينا.
والدي، الفقيه السي البشير أبا العبدي، بحلمه وتؤدته،
والأستاذ الحاج مبروك، بصدق عطائه وبصمته الهادئة،
كانا منارات في زمن البساطة، يزرعان فينا بذور النور،
لا تُرى، لكن يُهتدى بها.
المنازل قد هُدمت، لكن صوتهما ما زال يهمس في دواخلنا:”في الصبر حلاوة… وفي الكلمة حياة.”
وها نحن اليوم، من تلامذتهما، ومن أبناء الحي، نحمل المشعل في دروب هذا الوطن، نروي للأجيال أن الأحياء قد تندثر…
لكن الأثر… لا يموت.
بقلم: الفنان الباحث
البشيري بنرابح












