محمد أمين نجيم يعرض بالصويرة: ثنائية المرٱة و الذاكرة

مصطفى شعب26 أغسطس 202558 مشاهدةآخر تحديث :
محمد أمين نجيم يعرض بالصويرة: ثنائية المرٱة و الذاكرة

اخبار الشعب /

يشهد فضاء برج باب مراكش بمدينة الصويرة، إلى غاية 10 شتنبر 2025، حدثاً فنياً استثنائياً يتمثل في المعرض الفردي للطبيب والفنان محمد أمين نجيم، الذي اختار له عنواناً لافتاً هو «مير وار». هذا العنوان يحيل على جدلية الانكسار والانعكاس، وعلى العلاقة المركبة بين الصورة والذاكرة والهوية.

المعرض لا يقتصر على تقديم أعمال فنية، بل يطرح نفسه كمشروع جمالي وفكري يزاوج بين صرامة الممارسة الطبية بما تحمله من دقة وعناية، وبين المغامرة الفنية بما تحمله من خيال ورغبة في التجاوز.

حضور وازن ونقاش ثقافي

افتتاح المعرض عرف إقبالاً لافتاً من النقاد والفنانين من بينهم المصطفى خليلي، محمد بوعافية، أحمد حروز، إلى جانب شخصيات مؤسساتية بارزة مثل رانيا خويا، مديرة الثقافة بالصويرة، وغيثة الرابولي، مديرة “بيت الذاكرة”، إضافة إلى طارق العثماني، رئيس جمعية الصويرة-موكادور. هذا الحضور المتنوع منح الحدث بعداً رمزياً ورسّخ مكانته ضمن النقاشات حول دور الفن المعاصر في تثمين التراث الإنساني والمعماري للمدينة.

الطب والفن: تقاطع المعارف

ينتمي محمد أمين نجيم إلى فئة نادرة من المبدعين الذين يعبرون حدود التخصصات، فهو طبيب من جهة، وفنان تشكيلي من جهة أخرى. هذه الازدواجية ليست عابرة، بل تشكل أساس تجربته، إذ تمنحه أدوات دقيقة للتعامل مع المادة، وتكسب أعماله حساسية متميزة.
وعن اختياره للزجاج والمرايا، يوضح الفنان أن الأمر بدأ بمصادفة مرتبطة بابن عمته الذي كان يزين المرايا بالزجاج، قبل أن تتحول المصادفة إلى شغف وعلاقة وجودية. في نظره، هشاشة الزجاج تقابل هشاشة الإنسان، لكن بخلاف الزجاج الذي ينكسر ويُستبعد، فإن الإنسان يزداد صلابة ونضجاً مع كل تجربة انكسار.

الزجاج كجسد: بين البيولوجي والفني

يرى الباحث في الفلسفة والفنون ياسين اغلالو أن تجربة نجيم تمثل انتقالاً من “التشكل البيولوجي إلى التشكيل الفني”. فالطبيب الذي اعتاد على علاج الأجساد يعيد إحياء الزجاج المكسور، فيمنحه حياة جديدة وكأنه يداوي شظاياه.
من أبرز الأمثلة لوحة الجنين المصنوعة من قطع الزجاج، التي تحاكي رحلة التكوين داخل الرحم عبر تجميع الشظايا قطعة قطعة، في التقاء واضح بين العلم والخيال.

جدلية المرآة والذاكرة

العنوان “مير وار” يفتح الباب أمام تأويلات متعددة. فالمرآة ليست مجرد سطح عاكس، بل فضاء رمزي يحيل على الهوية والانتماء. إنها تكشف التناقضات الداخلية وتضع الذات أمام انكساراتها.
الصحفي الفرنسي خوسيه لينزيني شبّه أعمال نجيم بممارسة الطبيب المسلم الرازي الذي اعتبر أن الطبيب مرآة لآلام المريض. هكذا يصبح الفنان وسيطاً بين الانكسار والشفاء، بين العتمة والنور.

مدينة الصويرة حاضرة في تجربة نجيم كمنبع إلهام وورشة جماعية. فقد جسّد أبواب المدينة العتيقة وأمواج البحر وشجر الأركان في أعماله الزجاجية، محتفياً بالهوية المحلية وبالبيئة الإيكولوجية.
اختياره الاشتغال في الفضاء العمومي يعكس إيمانه بـ”الديمقراطية الثقافية”، حيث يصبح الفن ممارسة مشتركة بين الناس لا حكراً على النخب.

بين الدقة العلمية والحرية الجمالية

توازن أعمال نجيم بين الحسابات الدقيقة المستمدة من تكوينه العلمي، وبين الانفلات الشعري الذي يتيحه الفن. التعامل مع الزجاج يتطلب حساً هندسياً صارماً، لكن هذه الصرامة لا تلغي البعد الجمالي، بل تمنحه عمقاً إضافياً.

بعد فلسفي وإنساني

المعرض يتجاوز الجانب البصري ليدخل فضاء التأمل الفلسفي. المرآة في أعمال نجيم مرآة جماعية تعكس المجتمع المغربي في تحولاته وانكساراته. كل قطعة زجاج جزء من صورة أكبر، وكل انكسار شرط لإعادة البناء. هكذا يتحول الفن إلى مجاز إنساني عن القدرة على تحويل الألم إلى جمال والانكسار إلى نضج.

للإشارة فإن محمد أمين نجيم من مواليد سنة 1996 بالصويرة، وسط أسرة متواضعة. حصل على شهادة الباكالوريا في العلوم الرياضية عام 2014، ثم واصل دراسته الطبية إلى أن نال الدكتوراه سنة 2022. موازاة مع مساره العلمي ظل وفياً لشغفه بالفن التشكيلي، ومارس إلى جانب ذلك الشعر والزجل.
خلفيته الطبية منحت فنه صبراً ودقة في التعامل مع مواد صعبة كالمرايا والزجاج. وهكذا يقدم نفسه كـ”طبيب-فنان” يوظف العلم لخدمة الخيال، والفن لخدمة الحياة.

قراءة محلية وكونية

تجربة نجيم تتحرك على مستويين:

1. محلي: استلهام الصويرة كفضاء ثقافي وبيئي.

2. كوني: طرح أسئلة إنسانية كبرى حول الهوية، الذاكرة، العلاقة بين الانكسار والشفاء.

بهذا المعنى، يشكل معرض “مير وار” إعلاناً عن ولوج جيل جديد من الفنانين المغاربة الذين يزاوجون بين التخصصات ويؤمنون بأن الفن ضرورة معرفية ووجودية.

إن تجربة محمد أمين نجيم ليست مجرد بحث تشكيلي في مادة الزجاج، بل هي تأمل إنساني وفلسفي في معنى الانكسار والقدرة على إعادة البناء. إنها مرآة تعكس وجهاً آخر لإنسانيتنا المشتركة، وتؤكد أن الشظايا يمكن أن تصبح وحدة، وأن الألم قد يتحول إلى جمال.

تصوير: عبد المجيد كركار

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة