نرجسية الخطاب السياسي عند الملك الراحل الحسن الثاني.

MOSTAFA CHAAB14 سبتمبر 202539 مشاهدةآخر تحديث :
نرجسية الخطاب السياسي عند الملك الراحل الحسن الثاني.

اخبار الشعب/

 

هل يمكن للنرجسية أن تتحوّل من صفة شخصية إلى أداة حكم فعّالة؟ تجربة الملك الراحل الحسن الثاني تجيب عن هذا السؤال بوضوح، إذ جمع بين ذكاء استراتيجي وكاريزما قوية، كما صاغ خطابًا سياسيًا يُمكن وصفه”بالنرجسية السلطوية”، حيث جعلت الذات الملكية محور القرار وصورة الدولة.

فلسفته تتقاطع مع مقولة ديكارت: “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، لكن “الأنا” عنده كانت أساسًا لشرعية السلطة، مستندة إلى ما أسماه ماكس فيبر الشرعية الكاريزمية. عبارات مثل: “أنا قررت”، و”أنا تحملت المسؤولية” لم تكن مجرد كلمات، بل تجسيد لسلطة متجذرة في “الأنا الملكية”، يتضح هذا في كتابه التحدي الذي قدّم تاريخ المغرب من منظور شخصي يفيض بالذاتية.

جلسات الدروس الحسنية الرمضانية جيدا بقوة هذا التمركز حول الذات؛ فمجرد تدخل منه كان كافيًا لإيقاف النقاش، وكلماته كانت الخاتمة الطبيعية لكل حوار.

في الحوارات الصحفية، أظهر قدرة على تحويل الاستفزاز إلى سخرية لاذعة، تعزز حضوره وتؤكد علو الذات الملكية.

حتى الفن لم يسلم من تأثير هذه النزعة، ففي حفلة لعبد الحليم حافظ لاحظ نشازًا في آلة الكمان، فنبه العازف أمام الجميع، فابتسم عبد الحليم قائلاً: “الليلة عندنا مايسترو فوق المايسترو”، لتبرز دقة أذنه الموسيقية ومرجعيته في كل التفاصيل.

هذه النزعة لم تقتصر على الداخل، بل انعكست في السياسة الخارجية؛ فقد وصفه صدام حسين بـ”الملك المختلف”، ووصفه جاك شيراك بأنه مرجع لفهم العالم العربي، مستفيدًا من كاريزمته النرجسية في ملفات الوحدة الإفريقية، النزاع العربي الإسرائيلي، والعلاقات مع أوروبا.

على عكس نرجسية هتلر المدمّرة، كانت نرجسية الحسن الثاني ذكية ومدروسة، خدمت الاستقرار السياسي، وعززت شرعيته الدينية والتاريخية، وجعلت منه رجل دولة محنكًا، حيث تحولت شخصيته الفردية إلى جزء لا ينفصل عن مؤسسات الدولة، وصارت صورته مرآة للمغرب كله.

النرجسية عند الملك الراحل الحسن الثاني لم تكن مجرد بعد نفسي، بل أداة حكم ورؤية سياسية متكاملة، جعلت من “الأنا” الفردية قدرًا جماعيًا، ومن حضوره الشخصي جزءًا من هوية وطنية، ليظل مرجعًا فكريًا لمن عاصروه.

✍️ الباحث الفنان

البشيري بنرابح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة