اخبار الشعب/ بقلم: الأستاذ البشيري بنرابح، أستاذ فن البسيكودراما بمعهد المركب الثقافي سيدي معروف والتعليم الخصوصي
في المشهد السياسي، تتقاطع النفس والفكر والمصلحة في لعبة دقيقة بين الولاء والمسؤولية، فحين يرفع النائب صوته بشعارات من قبيل «موت موت يا العدو… الملك عندو شعبو»، يتجلى أمامنا خطاب لا تحكمه العقلانية بقدر ما تحركه الانفعالات واللاشعور النفعي.
إنها لحظة بسيكودرامية بامتياز، تتجاوز السياسة إلى المسرح النفسي، حيث يعيد الفاعل إنتاج ذاته أمام الجمهور في مشهد دفاعي أكثر منه تواصلي.
هذا النمط من الخطاب يعكس، من زاوية علم النفس السياسي، آلية للهروب من المحاسبة، إذ يتم تحويل الولاء إلى لغة جاهزة تُستعمل كدرع رمزي يجنّب الفاعل مواجهة الواقع، فحين يعلو الصوت بالولاء، ينخفض صوت النقد، وكأن الشعارات تمنح أصحابها جواز مرور سياسي يعفيهم من السؤال والمساءلة.
بهذا المعنى يتحول الولاء المعلن إلى غطاء نفسي وسلوكي يبرر القصور ويُخفي التناقضات، فينقلب من قيمة وطنية نبيلة إلى وسيلة رمزية لتبرير الفشل أو تلميع الصورة.
كما يقول بورديو:
“حين يضعف الرأسمال الرمزي، يبدأ الفاعل بالصراخ ليقنع نفسه بأنه ما زال موجودًا.”
هنا يتحول الصراخ السياسي إلى علامة قلق داخلي لا إلى برهان وطني.
جلالة الملك… يعمل في صمت، يشتغل في هدوء وتواضع بعيدًا عن الأضواء، ويُفاجئ الجميع بقراراته الميدانية ومبادراته الإنسانية، التي تعبّر عن قيادة فاعلة لا استعراضية،
شعاره العملي هو «الدق والسكات»، حيث يُترجم الولاء للوطن إلى فعلٍ تنموي ملموس، لا إلى خطاب مكرور، بينما يكتفي البعض بالصوت والصور، يختار الملك لغة الفعل والإنجاز، ما يجعل حضوره الواقعي يغني عن أي تمجيد لفظي أو تهليل سياسي.
إنه النموذج الذي يُجسّد أن القوة في الهدوء، وأن الزعامة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمع.
خاتمة: الوعي لا الصراخ.
الولاء الحقيقي لا يحتاج إلى انفعال ولا إلى تكرار، بل إلى وعي هادئ ومسؤولية ناضجة،
فالوطن لا يُبنى بالشعارات ولا بالصوت المرتفع، بل بالفعل الصادق الذي يُجسد القيم لا من يرددها.
فـ «موت موت يا العدو» ليست مجرد صرخة حماسية، بل مرآة لذاتٍ تبحث عن توازنها بين الولاء والواجب، بين الانتماء والمساءلة.
حين يرتقي الوعي إلى مستوى الفعل، يصبح الولاء قيمة روحية راقية لا غطاءً سياسيًا، ويصبح حب الملك والوطن معًا طريقًا للإصلاح، لا وسيلة للهروب من المحاسبة.











