اخبار الشعب/الأستاذ البشيري بنرابح
أستاذ البسيكودراما بالمركب الثقافي سيدي معروف، والتعليم الخصوصي،
في عالم تتسارع فيه الأسئلة حول مستقبل الإنسان، وقدرته على التكيّف مع تحولات المعرفة والحياة، لم يعد التعلم عملية محصورة بين جدران المدرسة، ولا بقيت الأسرة مجرد خلفية اجتماعية للطفل، التربية اليوم فعلٌ تشاركي، تتقاطع فيه أنفاس البيت مع نبض المؤسسة، ويتشكل فيه المتعلم من خلال معنى يتكامل ولا ينفصل.
فالطفل لا يدخل الفصل صفحة بيضاء، بل يدخل محمّلًا بمشاعره وخبراته الأولى، بإيقاع أسرته ولغتها العاطفية، بحكايات البيت وصمتِه، بقلقه وفرحه ومحاولاته الأولى لفهم العالم، لذلك المدرسة التي تتجاهل هذا الامتداد الوجداني، تفقد نصف الحقيقة التربوية، والأسرة التي ترى المدرسة مجرد موكول تعليمي، تفوّت على الطفل فرصة بناء توازنٍ داخلي بين من يربيه ومن يعلّمه.
من هنا تنبع أهمية المقاربة التشاركية، ليس بصفتها آلية تواصل أو لقاءات مناسباتية، بل بصفتها رؤية إنسانية تجعل من الطفل محورًا لوعي مشترك، فالتنشئة ليست تبادل تعليمات، بل إصغاء، قراءة، احتواء وتفكير مشترك في ما يحتاجه المتعلم كي يكون ذاتًا فاعلة لا مشروعًا مراقَبًا.
إن تجربتي في البسيكودراما داخل الأقسام الخصوصية تُظهر بوضوح أن كثيرًا من السلوكات التي تُقرأ تأديبيًا هي في حقيقتها إشارات وجودية، رغبة في الاعتراف، في الفهم، في أن يشعر الطفل بأن صوته مسموع، وأن عالمه الداخلي ليس مجهولًا أو مُهددًا، وعندما يتحول ولي الأمر إلى شريك في هذا الفهم، ننتقل من منطق “المحاسبة” إلى منطق “المصاحبة”، ومن ردّ الفعل إلى بناء الاستجابة الواعية.
فالشراكة هنا لا تعني إلغاء سلطة المدرسة ولا مصادرة دور الأسرة، بل تعني تناغمًا تربويًا يجعل من كلّ طرف مدركًا لحدوده ومهامه ومسؤوليته الوجدانية والمعرفية، فالمسألة ليست من يربي أكثر، بل كيف نربي معًا وفق رؤية تؤمن بالطفل باعتباره مشروع إنسان، له الحق في الخطأ، وفي أن يتعلم ببطء أحيانًا وبقفزات مفاجئة أحيانًا أخرى.
ختاما المقاربة التشاركية ليست شعارًا إداريًا ولا موجة تربوية، بل أخلاق تربوية تؤمن أن الطفل لا ينمو بقرار فردي، بل بجهد جماعي يلتقي فيه البيت والمدرسة حول سؤال واحد:
كيف نمنح هذا الكائن الصغير فرصة ليصبح نسخة ناضجة من ذاته، لا نسخة مثالية مما نتخيله نحن؟
بهذه الروح تُبنى الثقة، ويتشكل التعلم كتجربة إنسانية، ويخرج الطفل إلى العالم لا بضوء المعرفة فقط، بل بقدرة على الوجود داخلها بثقة ورحابة ووعي.












