اخبار الشعب/ عزيز بوركعا
في لحظات نادرة يتغير فيها مسار الإقليم بضربة واحدة يصبح الحدث أكبر من تفاصيله ويتحول إلى اختبار شامل لتوازنات القوة. ووفق الإعلان الرسمي الصادر في إيران عن اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي داخل مقر إقامته رفقة عدد من مرافقيه، تجد المنطقة نفسها أمام منعطف استراتيجي دقيق تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالرهانات الاستخباراتية وتتقاطع فيه ديناميات الداخل الإيراني مع توازنات إقليمية ودولية شديدة الحساسية. فاستهداف الشخصية التي تمثل أعلى سلطة دستورية وسياسية وعقائدية في البلاد منذ أكثر من ثلاثة عقود ليس حدثا عابرا. إنه تحول نوعي في قواعد الاشتباك وفي سقف الأهداف المعلنة والضمنية للصراع.
ومن هنا تتجاوز العملية بعدها العسكري المباشر لتدخل في صلب معادلات القوة الكبرى. فالتوقيت الدقيق وطبيعة الهدف يوحيان بأن القرار لم يكن مجرد رد فعل، بل عملية محسوبة استندت إلى معطيات استخباراتية عالية الدقة حول مكان وجود المرشد لحظة الاستهداف. وهو ما يعزز فرضية تنسيق وثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في إطار عمل مشترك لأجهزة متقدمة مثل الموساد ووكالة المخابرات المركزية. إن الوصول إلى معلومات دقيقة عن تحركات أعلى سلطة في البلاد يطرح سؤالا أخطر من العملية العسكرية نفسها، وهو سؤال الاختراق العميق للدائرة الضيقة للنظام، سواء عبر تجنيد بشري من الداخل أو عبر منظومات تتبع واتصال تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وتحليل البيانات الضخمة. غير أن التفوق الاستخباراتي لا يعني بالضرورة حسم النتائج السياسية.
سياسيا يمكن فهم العملية باعتبارها رهانا على إحداث صدمة استراتيجية تدفع النظام نحو التفكك السريع أو على الأقل نحو ارتباك عميق يمنعه من خوض حرب استنزاف طويلة. في هذا الإطار برز خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي قدم الاغتيال باعتباره لحظة حاسمة وفرصة تاريخية للشعب الإيراني لإعادة تشكيل بلاده. وهو خطاب يعكس توجها يقوم على تحقيق أهداف كبرى في زمن قصير وتجنب الانخراط في صراعات ممتدة الكلفة وغير مضمونة النتائج. غير أن منطق الضربة الحاسمة لا يضمن منطق النهاية السريعة، إذ كثيرا ما تفتح الصدمات الكبرى أبوابا غير محسوبة وتتسبب في إعادة تشكيل المشهد بطرق لا يمكن التحكم في مآلاتها.
السؤال الجوهري الآن يتعلق بتفاعل الداخل الإيراني. هل يؤدي استهداف رأس النظام إلى التفاف أوسع حول مؤسسات الدولة تحت عنوان الدفاع عن السيادة الوطنية، أم أنه يفتح الباب أمام صراع على السلطة داخل النخبة الحاكمة ويغذي احتجاجات مؤجلة تبحث عن لحظة انفجار. التجارب التاريخية للدول ذات الطابع العقائدي تشير إلى أن العدوان الخارجي غالبا ما يعيد إنتاج تماسك داخلي مؤقت حتى في ظل وجود تباينات اجتماعية واقتصادية حادة. وفي المقابل فإن غياب شخصية مركزية بهذا الوزن قد يسرع تنافسا داخليا حول ترتيبات الخلافة، خاصة أن آلية اختيار المرشد الجديد عبر مجلس الخبراء تجعل المرحلة الانتقالية محكومة بتوازنات دقيقة داخل المؤسسة الدينية والسياسية.
النظام الإيراني لا يستند إلى فرد واحد فحسب، بل إلى شبكة مؤسساتية معقدة تتداخل فيها المرجعية الدينية مع البنية الأمنية والاقتصادية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الذي يشكل فاعلا مركزيا في حماية النظام وإدارة ملفات استراتيجية داخلية وخارجية. كما أن قاعدة اجتماعية معتبرة ما تزال ترى في الجمهورية الإسلامية إطارا للهوية والاستقلال في مواجهة الضغوط الخارجية. لذلك تبدو فرضية السقوط السريع تبسيطا لواقع أكثر تركيبا تحكمه اعتبارات الولاء العقائدي وتشابك المصالح وموازين القوة داخل مؤسسات الدولة.
من زاوية القانون الدولي يبقى توصيف العملية محل جدل بين من يراها عملا حربيا في سياق نزاع مفتوح ومن يعتبرها اغتيالا سياسيا يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. هذا البعد القانوني لا يقل أهمية عن البعد العسكري، لأنه سيؤثر في مواقف قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين، كما سيرسم حدود ردود الفعل الإقليمية لدى فاعلين أساسيين في الشرق الأوسط.
إقليميا قد يكون الحدث مدخلا لإعادة رسم قواعد التوازن. فإذا اعتبرت واشنطن وتل أبيب أن الهدف الاستراتيجي الأكبر قد تحقق فقد تميلان إلى احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة يصعب التحكم في مآلاتها. أما إذا اختارت طهران الرد المباشر أو غير المباشر عبر أدواتها الإقليمية فقد نشهد توسعا للصراع يتجاوز الجغرافيا الإيرانية نحو مسارح متعددة. فالحروب لا تنتهي دائما عند النقطة التي خطط لها صانعوها، بل قد تتمدد وفق منطقها الخاص بما يعيد تشكيل أولويات اللاعبين أنفسهم.
ما يكشفه هذا التطور لا يتعلق فقط بتصفية رأس هرم السلطة، بل أيضا بانتقال الصراعات الحديثة إلى مستوى غير مسبوق من التداخل بين العمل العسكري والهندسة الاستخباراتية والتكنولوجيا فائقة الدقة. فتعقب الأفراد في دوائر محصنة يفترض أنها الأكثر سرية يعكس ثورة في أدوات الرصد والتحليل تضع مفاهيم الأمن والسيادة أمام اختبار جديد في عصر الرقمنة الشاملة.
في المحصلة لا يكمن السؤال في من قُتل فحسب، بل في ما الذي سيتغير بعده. هل يمثل اغتيال رأس النظام بداية تفكك تدريجي أم مدخلا لمرحلة أكثر صلابة وخطورة. التجارب السياسية تعلمنا أن اغتيال القادة لا يسقط الأنظمة بالضرورة، كما لا يضمن استقرارا فوريا لمن نفذ العملية. ما يتشكل الآن قد لا يكون نهاية حرب خاطفة فحسب، بل بداية إعادة ترتيب عميقة لمعادلات القوة في الشرق الأوسط، في لحظة قد لا تغير موازين القوى فقط، بل تعيد تعريف قواعد اللعبة الإقليمية بأكملها لعقود مقبلة.









