أخبار الشعب / هند بومديان
منذ أن خطَّ الإنسان أولى حروفه على جدران الكهوف، كان هناك سؤالٌ معلّق لم يُحسم بعد: من يقود؟ الرجل أم المرأة؟ سؤال ظاهره بسيط، لكنه يحمل في طياته أطنانًا من التراكمات الثقافية، الدينية، والاجتماعية، حتى صار أشبه بعقدة مستعصية، تؤسس لأشكال غير مرئية من الهيمنة والتمييز.
عبر العصور، تولّى الرجل زمام السلطة، واحتكر مراكز القرار، مستندًا إلى ما اصطلح عليه “تفوقه الفطري” أو “تفويض الطبيعة”، بينما تم دفع المرأة إلى الهامش، لا ككائن عاجز، بل ككائن يُخشى من قوته إن تحرّرت. لكنّ الحكاية لا تتوقف عند هذا الحدّ، بل تمتدّ إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تُختزل المرأة في أدوار اجتماعية محددة، تُثقلها بواجبات، وتجرّدها من الحقوق، بينما يُسجن الرجل في قوالب رجولة صلبة، تُحرمه من التعبير، البكاء، وحتى طلب المساعدة.
المساواة… الحلم المؤجل
المساواة ليست أن تشبه المرأة الرجل، ولا أن يتقمّص الرجل صفات المرأة. المساواة هي عدالة في توزيع الفرص، في الكرامة، في الأجر، في الحق في الحلم، في الحضور، وفي أن يُنظر للإنسان على أنه إنسان، لا كجنسٍ يُصنَّف ويُحاكَم. لكنها تظلّ حلمًا مؤجَّلًا في مجتمعاتٍ ترزح تحت سلطة عقلية ذكورية تعيش على أوهام التفوق.
إن من المؤلم أن تُقاس قيمة المرأة من خلال علاقتها بالرجل: فهي ابنةٌ لأحدهم، زوجةٌ لآخر، وأمٌ لرجل جديد. وكأن وجودها في حد ذاته لا يكفي لتكون ذات قيمة. والأسوأ من ذلك، حين تُروَّج صورة أن تحرر المرأة خطر على استقرار المجتمع، وكأن التقدم لا يتحقق إلا بسجن نصفه في قيود الصمت والتهميش.
رجلٌ في قفص الرجولة
لكن لنتحدث أيضًا عن الرجل، عن ذلك الكائن الذي رُبِّي على ألاّ يشعر، وألاّ ينهار، وألاّ يحتاج. كم من الرجال ماتوا وهم أحياء، لأنهم حُرموا من البوح؟ كم من أبٍ كان يحتاج فقط إلى كلمة حنان، لكنه خاف أن يُتهم بالضعف؟ لقد أصبح الرجل رهينة لصورةٍ نمطية لا ترحم، تجرده من عاطفته، ومن انسانيته، بدعوى “الهيبة” و”القيادة”.
وهكذا تتحول السلطة من امتياز إلى عبء، ومن قيادة إلى سجن. فحتى الرجل، في هذا النظام اللامتكافئ، لا يُسمح له بأن يكون ذاته، بل يُجبر على أن يكون ما يُنتظر منه.
واقع مزرٍ يصرخ بلا صوت
في قلب هذه الجدلية، تتفاقم الأوضاع الاجتماعية، حيث تتقاطع قضايا الجندر مع الفقر، والبطالة، والتمييز، والجهل، لتخلق واقعًا مأزومًا، المرأة فيه ضحية مزدوجة: ضحية التمييز، وضحية البؤس العام. ورغم كل الشعارات الوردية عن تمكين المرأة، ما زالت تعاني من التحرش، من العنف، من زواج القاصرات، ومن تهميش اقتصادي صارخ.
وفي المقابل، يعاني الرجل من ضغط اجتماعي خانق، يدفعه إلى الهجرة، إلى الانتحار، أو إلى ممارسة العنف أحيانًا كوسيلة وحيدة لإثبات “الرجولة”.
الحلّ يبدأ من الداخل
علينا أن نفكك هذه المنظومة من الجذور. أن نعيد تعريف القوة، لا كقهر، بل كتعاطف. أن نعلّم أبناءنا أن الرجولة لا تُقاس بالقسوة، وأن الأنوثة لا تُنتقص بالجرأة. أن نعيد بناء الوعي الجمعي على أسس من الإنسانية، لا من السلطة والهيمنة.
نحن لا نحتاج إلى أن تنتصر المرأة على الرجل، ولا أن يرضخ الرجل للمرأة، بل نحتاج إلى وعي جديد يُقر بأنهما شريكان في البناء، لا خصمان في معركة صفرية.
فالمرأة ليست “نصف المجتمع” كما يقال، بل هي المجتمع كاملاً حين تُنجب، وتُربي، وتُحب، وتُحارب، وتُبدع. والرجل ليس “ربّ الأسرة” فحسب، بل هو شريك في بناء المعنى، حين يتحرر من أوهام الهيمنة ويتصالح مع هشاشته.
المساواة ليست حربًا بين ذكر وأنثى، بل معركة ضد الجهل، والجمود، والتاريخ الذي لم ينصف أحدًا.
وحين نكفّ عن التساؤل: من يقود؟ ونبدأ في التساؤل: كيف نسير معًا؟… عندها فقط، تبدأ الإنسانية أولى خطواتها نحو النضج الحقيقي.












