أخبار الشعب / البشيري بنرابح
مع كل عودة إلى المدارس، تُفتح دفاتر جديدة للأمل والعمل، وتُفتح أيضًا أعيننا على فجوة عميقة تفصل بين دول تقدّمت برؤية واضحة، وأخرى تغرق في مناهج جامدة، تعتمد على التنظير بدل الفعل.
في بعض المجتمعات، تحوّلت المدرسة إلى فضاء لصناعة المستقبل، بينما ما تزال في أخرى مجرّد مؤسسة تُكرّر التخلف والتفاوت، بلا إصلاح أو تجديد.
الدول التي أدركت أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، أعادت صياغة المدرسة لتكون مجالًا للابتكار والتمكين، لا للتلقين فقط. هناك، تُحدّث المناهج، وتُدمج التكنولوجيا، ويُكوَّن المعلم وتُكرّمه الدولة والمجتمع، في إطار رؤية تجعل من التعليم أولوية وطنية حقيقية.
ولا غرابة إن قيل:
“حين تصنع مدرسة حقيقية، فإنك تبني مستقبلًا بأكمله.”
أما في بعض الدول النامية، فتصبح العودة إلى المدرسة مناسبة للعودة إلى الاكتظاظ، والمناهج القديمة، والتأطير الهش… كأن التعليم فيها مجرّد إجراء روتيني لا يرتقي إلى مستوى مشروع تنموي أو حضاري.
التوجيه البيداغوجي الفعّال: نموذج الأستاذ “السيد عبد المجيد رقيق”
يُجسّد الأستاذ عبد المجيد رقيق نموذجًا نادرًا في التوجيه التربوي والإداري؛ فهو مؤطر يُحسن الإصغاء أكثر من إصدار التعليمات، ويتعامل مع الفصول الدراسية بعين المشرف لا المتسلط.
لا يتدخل في الحصص، بل يقتصر دوره على التوجيه والتأطير البيداغوجي، مركزًا على:
اختيار الكفاءات المناسبة للعمل التربوي، وتكوين أطقم قادرة على الابتكار.
تقديم إرشاد بيداغوجي محترف، يساعد الأساتذة على تطوير ممارساتهم الصفية بأساليب واضحة ومباشرة.
خلق جو مناسب داخل المدرسة يدعم أساليب التعليم الفعّالة، عبر مرافقة ميدانية هادئة دون فرض قوالب إدارية أو تدخل مباشر في أساليب التدريس.
هذا النهج يتماشى مع روح التوجيه البيداغوجي في النظام التربوي المغربي، الذي يركّز على تمكين الأستاذ لا تقييده، وعلى تحسين جودة التعليم من الداخل، لا عبر الشعارات أو التعليمات المركزية.
الواقع المغربي: بين الإمكانيات والطريق الوعر نحو الإصلاح
رغم ارتفاع ميزانية التعليم، فإن النتائج لا تزال دون الطموح، نتيجة ضعف الحوكمة والتدبير التربوي.
يغادر أكثر من 160 ألف تلميذ النظام المدرسي سنويًا في مرحلة الإعدادي وحدها، وتصل حالات التسرب إلى نحو 280 ألفاً سنويًا.
تسعى الحكومة عبر برامج مثل “مدارس الفرصة الثانية” إلى خفض هذا الرقم إلى 200 ألف بحلول سنة 2026، لكن التحديات مستمرة.
ورغم هذه الجهود، لا يمكن إحداث فرق فعلي دون ربط الإصلاح بالأشخاص، مثل المؤطرين التربويين من طينة الأستاذ رقيق، ممن يؤمنون بأن التغيير الحقيقي لا يتم من المكاتب، بل من قلب الفصول، عبر التوجيه والمرافقة والاحترام.
وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة المُلحة:
هل الميزانيات الضخمة وحدها كفيلة بإصلاح التعليم؟
هل حان الوقت لإعادة النظر في المناهج وآليات تكوين المدرّسين؟
هل نُعطي للمؤطرين التربويين مساحة أوسع للمبادرة والتأثير كما يفعل الأستاذ رقيق؟
ليست مجرد عودة مدرسية… بل لحظة وعي
ما كتبته ليس مجرد مقال، بل محاولة لتشخيص عادل ودعوة للمراجعة الجذرية.
العودة إلى المدارس يجب أن تكون لحظة مراجعة جماعية، لا مجرد طقس إداري يتكرر كل عام.
فالتعليم ليس موسمًا عابرًا، بل مصير أمة، يبدأ حين نضع المدرسة في قلب المشروع الحضاري، لا في هامشه.
التعليم إما أن يكون قاطرة للنهوض… أو مرآة للفشل.
المصدر المعتمد للإحصائيات
تعتمد الإحصائيات الواردة في هذا المقال على بيانات رسمية صادرة عن وزارة التربية الوطنية المغربية، والتي تفيد بمغادرة أكثر من 160 ألف تلميذ النظام المدرسي سنويًا في مرحلة الإعدادي، مع تسجيل نحو 280 ألف حالة تسرب سنويًا.
كما تم الرجوع إلى تقارير صادرة عن اليونيسف والبنك الدولي، إضافة إلى معطيات مرتبطة ببرنامج “مدارس الفرصة الثانية”، الذي يهدف إلى تقليص نسبة الرسوب إلى 200 ألف بحلول عام 2026.
✍️بقلم الفنان الباحث
البشيري بنرابح











