أخبار الشعب / الفنان الباحث البشيري بنرابح
في المؤسسات التعليمية، كما في كل فضاء مهني، يظهر بين الفينة والأخرى صنفٌ غريب من “الفاعلين التربويين” الذين لا علاقة لهم بروح المهنة، ولا يحملون من رسالتها إلا الإسم. ما يمكن تسميته بـ “فراقشية التعليم”: فئة تُتقن الانخراط في كل شيء ما عدا التعليم نفسه.
ظاهرة ترتدي قناع الحماس
يقدّم الفراقشي نفسه دائمًا كأنه عنصر نشيط، يركض من مكتب إلى آخر، ويقفز من اجتماع إلى آخر، ويحرص على أن يُسمع صوته في كل نقاش.
غير أن هذا النشاط الظاهر ليس سوى درعٍ يحاول من خلاله إخفاء عجزه المهني؛ فحيثما وُجدت الفوضى، دخل منها ليتصدر المشهد، وحيثما تطلّبت الأمور كفاءة، اختفى كأنه لم يكن.
حضورٌ في كل شيء… وغيابٌ عن كل شيء مهمّ
الغريب في الفراقشي أنه حاضرٌ دومًا في التفاصيل الجانبية:
يتحدث عن الإصلاحات الكبرى وكأنه مستشار في الوزارة، يناقش العلاقات العامة كأنه ناطق رسمي،
يتدخل في كل صغيرة تخص الزملاء، من غياب أحدهم إلى وضع السبورة.
لكن حين يأتي وقت أداء المهمة الأساسية
التحضير، التدريس، التقويم
يصبح “معذورًا” أو “مضغوطًا” أو “مريضًا” أو “مشغولًا بملف مهم”.
الضجيج كطريقة اشتغال
ما يميز فراقشية التعليم أنهم يتقنون خلق ضوضاء تشبه العمل، ضوضاء تعطي الانطباع بأنهم محور المؤسسة.
خبراء في صناعة “الركوب على في تخصصات زملائهم ”، حيث تتحول الفكرة البسيطة إلى جدلٍ طويل، والملاحظة العابرة إلى معركة، والاجتماع العادي إلى عرض في حلبة.
في النهاية، لا نتائج تُذكر، ولا قيمة تُضاف.
كل ما يبقى هو ضجيج يتلاشى… وفراغ يعود إلى مكانه.
علاقات مبنية على المصلحة والظهور
يقول المثل: “اللي ما عندو خدمة، يكثر الهضرة”.
وهذا هو جوهر الفراقشي:
شبكة علاقات واسعة، لكن سطحية، لا هدف منها سوى إثبات حضوره في الصور واللقطات واللقاءات.
هو صديق الجميع حين يراه المدير، وناصح الجميع حين يراه المؤطر، وحَكَمٌ بين الجميع حين يرى تجمعًا للزملاء.
لكن خلف هذا كله، لا أثر لسلوك مهني حقيقي ولا لنزاهةٍ تربوية تليق بأهمية الرسالة التعليمية.
القسم… المرآة التي يخشاها
يبقى القسم هو المكان الوحيد الذي لا يستطيع الفراقشي تزييفه.
فالتلميذ أصدق اختبار، واللوحة التربوية لا تخدع.
ولهذا السبب، يتجنّب الفراقشية الاحتكاك الحقيقي بالقسم، لأن لحظة الشرح تكشف ما يحاولون ستره بالصراخ والظهور:
الهشاشة المهنية.
انعكاس على المؤسسة
وجود الفراقشية داخل المدرسة ليس مجرد إزعاج، بل يعيق الانسجام المهني، ويستنزف مجهودات الأساتذة الجادين، ويحول الاجتماعات إلى دوائر مغلقة تعيد نفس الكلمات والمواقف بدون أي أثر حقيقي على التلميذ أو العملية التربوية.
الخاتمة
“فراقشية التعليم” ليست شخصًا، بل سلوكًا.
سلوك يختزل أزمة أخلاقية ومهنية تهدد قيمة المدرسة، وتمنح الواجهة لمن لا يحملون من المهنة إلا قشورها.
ولأن التعليم رسالة قبل أن يكون وظيفة، فإن أول خطوة للإصلاح تبدأ بتجفيف منابع الصخب الفارغ، وإعادة الاعتبار للهدوء الذي يصنع الجودة، وللعمل الذي يُقاس بالأثر… لا بالظهور.
“راه اللي عندو عندو والفاهم يفهم”.
الدارالبيضاء: 15 نونبر












