بسيكوشاعرية الأديب د. منير هذوبة من خلال نثرية «الماء الأنثى».

habibtarik27 يناير 202633 مشاهدةآخر تحديث :
بسيكوشاعرية الأديب د. منير هذوبة من خلال نثرية «الماء الأنثى».

أخبار الشعب / البشيري بنرابح

 

مدخل:

«الماء الأنثى» نص لا يقرأ بوصفه كتابة وصفية ولا نصا شعريا صرفا، بل مونولوغا روحيا خرج من منطقة داخلية عميقة، حيث لا يفصل الأديب بين الإحساس والفكرة، ولا بين الذات والعالم، إننا أمام كتابة تأسست نفسيا على البوح، وفنيا على المونولوغ، وجماليا على التوحيد بين الماء والأنوثة كصورة واحدة للروح.

من هذا المنطلق، فإن بسيكوشاعرية الأديب تتجلى لا في موضوع النص، بل في طريقته في الوجود.

أولا: المونولوغ كأصل نفسي للكتابة

«الماء الأنثى» في جوهره كلام موجه إلى الداخل قبل أن يسمع في الخارج، هنا الأديب لا يخاطب قارئا، بل يصغي إلى ذاته وهو يتكلم، وهذا ما يمنح النص طابعه المونولوغي:

ـ غياب السرد الخطي هيمنة النبرة على الحدث ـ تقدّم الإحساس على الفكرة وحضور التردّد، والنداء، والهمس، والانسياب.

سيكولوجيا هذا الشكل من الكتابة يصدر عن مستوى وعي لا يسعى إلى الإقناع، بل إلى الانكشاف، فالجملة ليست وسيلة توصيل، بل أثر حالة، واللغة لا تصف الشعور، بل تتحوّل إلى شعور، وهنا تتجلّى البسيكوشاعرية: حين تصبح الكلمة امتدادا للجهاز العاطفي، لا أداة عقلية.

ثانيا: الماء الأنثى… اتحاد الرمز بالحالة النفسية.

في هذا النص الماء لا يستعمل رمزًا جاهزا، ولا الأنوثة تُستعمل موضوعا، بل يحدث اندماج وجودي بينهما، حيث الماء لا يجاور الأنوثة، بل يصيرها، والأنوثة لا تشبَّه بالماء، بل تُعرف به.

ـ نفسيا هذا التوحيد يكشف عن وعي يرى العالم من الداخل، لا من الخارج. ترى الأديبة في الماء صفات الذات العميقة: السيولة، الاحتواء، القابلية للتحول، الذاكرة، والقدرة على حمل المتناقضات دون تمزق.

وهي حين تجعل الأنوثة ماء، فإنها تحرّرها من القالب الاجتماعي لتعيدها إلى أصلها. الوجودي: قوّة تمنح، تحتوي، تتألّم،ثم تعود فتمنح.

إن «الماء الأنثى» هو في بعده النفسي صورة للروح حين تكون في أقصى درجات صدقها: مرنة دون ضعف، عميقة دون ادّعاء، وقادرة على العبور دون أن تفقد ذاتها.

ثالثا: البسيكوشاعرية ـ حين تتحوّل اللغة إلى حالة نفسية.

لغة النص لا تقوم على البناء البلاغي، بل على الإيقاع الوجداني.

الجملة فيه تشبه النَّفَس، تطول حين يتّسع الشعور، وتقصر حين يضيق، وتسكت حين يعجز المعنى عن القول.

هذا السلوك اللغوي يكشف أن الأديب لا يكتب من فكرة مسبقة، بل من حالة شعورية متحرّكة، وهذا هو جوهر البسيكوشاعرية: أن لا تكون القصيدة أو القطعة نتيجة شعور، بل أن تكون هي الشعور ذاته وقد اتخذ شكلًا لغويا.

القارئ لا “يفهم” النص بقدر ما يدخل في مجاله النفسي، يشعر أن الكلمات لا تشير إلى الماء والأنثى، بل تستحضرهما كحضورين داخليين.

رابعًا: المونولوغ والمسرح ـ اكتمال البسيكوشاعرية.

«الماء الأنثى» نصّ لا يكتمل على الصفحة، لأن بنيته النفسية مونولوغية، وبنيته الجمالية أدائية، إنه مكتوب ليُقال لا ليُقرأ فقط.

في حضن المسرح، يستعيد النص طبيعته الأولى:

بوحًا مسموعًا، حركةً ناطقة، وصمتًا دالًّا.

المونولوغ هنا ليس تقنية مسرحية، بل ضرورة نفسية:

لأن هذا النوع من الكلام لا يحتاج إلى محاوِر، بل إلى فضاء يحتمل انكشافه.

الجسد فوق الخشبة لا “يمثّل” الماء الأنثى، بل يسمح له أن يظهر: في النَّفَس، في الوقفة، في التردّد، في امتداد الصوت، وفي انكساره. وهكذا تتحوّل البسيكوشاعرية من كتابة إلى تجربة حيّة.

خاتمة

بسيكوشاعرية الأديبة د. أسماء غريب في نص «الماء الأنثى» تتجلّى في قدرتها على تحويل الأنوثة من موضوع إلى حالة، والماء من عنصر إلى صوت داخلي، والكتابة من وصف إلى مونولوغ روحي.

إنه نصّ ينبع من منطقة عميقة من الوعي، حيث لا تُكتب الكلمات لتقول العالم، بل لتكشف النفس وهي ترى العالم داخلها.

ومن هنا، لا يكون «الماء الأنثى» نصا عن الأنوثة، بل أنوثة تتكلم،ولا نصًا عن الماء، بل روحًا وجدت صورتها.

بقلم الفنان البشيري بنرابح

أستاذ مادة المسرح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة