أخبار الشعب / عزيز بوركعا
الرشيدية
يكشف الحراك الداخلي الذي يشهده حزب الاستقلال في المرحلة الراهنة عن معادلة سياسية وتنظيمية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات التحكم في مسار التزكيات مع حسابات إعادة الانتشار الانتخابي قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، حيث برز إلى الواجهة صراع غير معلن حول مراكز القرار داخل الحزب، خاصة في ما يتعلق بتدبير الترشيحات بالأقاليم الجنوبية التي ظلت لسنوات مجال نفوذ قوي لقيادات بعينها
وفي هذا السياق، يسعى الأمين العام نزار بركة إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل الحزب من خلال محاولة بسط سلطته التنظيمية على مسار التزكيات، باعتبارها أداة مركزية في ضبط الخريطة الانتخابية وتوجيهها، غير أن هذا التوجه يصطدم بمعطى واقعي يتمثل في استمرار تأثير تيار يقوده حمدي ولد الرشيد داخل الأقاليم الجنوبية، حيث راكم هذا الأخير حضورا تنظيميا وازنا وخبرة ممتدة في تدبير الشأن الحزبي محليا، ما جعله ممسكا بخيوط مؤثرة في هندسة الترشيحات
وتفيد معطيات متداولة من داخل الحزب أن القرار الذي اتخذه نزار بركة، والقاضي بإعادة تركيز صلاحيات منح التزكيات داخل القيادة المركزية بعد أن كانت بيد قيادات جهوية نافذة، قد فتح جبهة توتر داخلي في ظرفية انتخابية دقيقة، تصبح فيها التزكيات محددا رئيسيا لموازين القوى ومؤشرا على طبيعة التحالفات داخل التنظيم، وهو ما أفرز حالة من الترقب والحذر في صفوف عدد من الفاعلين الحزبيين
ويعكس هذا الوضع صعوبة حسم معركة الدوائر الانتخابية بالأقاليم الجنوبية، التي تشكل تقليديا خزانا انتخابيا مهما للحزب، حيث لم يتمكن الأمين العام إلى حدود الساعة من فرض سيطرة كاملة على هذه المناطق الحساسة، الأمر الذي يفسر في المقابل التحول الاستراتيجي نحو الشمال كخيار بديل لتعزيز الحضور الانتخابي وضمان نوع من التوازن الجغرافي في النتائج
وفي هذا الإطار، قاد نزار بركة خلال فترة عيد الفطر جولة تنظيمية غير معلنة بمدينة طنجة، عقد خلالها سلسلة لقاءات مع قيادات ومناضلي الحزب بعدد من أقاليم الجهة، تمحورت حول إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتحديد ملامح المرحلة المقبلة في أفق الاستعداد المبكر للاستحقاقات التشريعية
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذه التحركات لم تقتصر على الجانب التعبوي، بل شملت أيضا تثبيت عدد من الأسماء الانتخابية البارزة داخل دوائر الشمال، من خلال تجديد الثقة في برلمانيين حاليين ومنحهم إشارات واضحة لقيادة اللوائح الانتخابية، بما يعكس توجها نحو الحفاظ على الاستقرار التنظيمي وتفادي أي ارتباك قد يؤثر على جاهزية الحزب بهذه الجهة
كما امتدت هذه الدينامية التنظيمية إلى أقاليم العرائش وفحص أنجرة وتطوان ووزان، حيث يشتغل الحزب على تعبئة قواعده وتعزيز حضوره الميداني في سياق سياسي يتسم بتصاعد حدة التنافس بين مختلف الفاعلين الحزبيين على صدارة المشهد، وهو ما يفرض رفع درجة الجاهزية التنظيمية وتوحيد الصفوف الداخلية
وفي مقابل هذا الحراك بالشمال، تظل بعض الدوائر الانتخابية الأخرى في حالة انتظار، كما هو الحال بالنسبة لدائرة الحسيمة المرتبطة بمآل الوضعية القضائية لنورالدين مضيان، وهو ما يعكس استمرار حالة الترقب داخل الحزب بشأن حسم عدد من الملفات الحساسة التي قد تؤثر على توزيع التزكيات
ويبدو أن الرهان الاستراتيجي الذي يعتمده نزار بركة يقوم على تحقيق اختراق انتخابي وازن بالشمال يمكنه من تعويض أي ارتباك محتمل في الأقاليم الجنوبية، بما يضمن للحزب موقعا متقدما في النتائج ويدعم طموحه في تصدر المشهد السياسي وقيادة الحكومة المقبلة، غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهينا بمدى قدرة القيادة الحزبية على احتواء التوترات الداخلية المرتبطة بتوزيع النفوذ والتزكيات
وفي ظل هذه المعطيات، يدخل حزب الاستقلال مرحلة دقيقة تتداخل فيها اعتبارات التوازن التنظيمي مع رهانات التموقع السياسي، حيث يجد نفسه أمام ضرورة تسريع وتيرة الإصلاح الداخلي وحسم الخلافات الكامنة تفاديا لتحولها إلى عوامل إضعاف في لحظة انتخابية حاسمة قد تعيد رسم ملامح الخريطة الحزبية بالمغرب بشكل عميق












