تكريم أنيس الرافعي بالدار البيضاء: احتفاء بالكتابة بوصفها مختبرًا سرديًا

MOSTAFA CHAAB16 يونيو 202527 مشاهدةآخر تحديث :
تكريم أنيس الرافعي بالدار البيضاء: احتفاء بالكتابة بوصفها مختبرًا سرديًا

اخبار الشعب/

 

 

في إطار انفتاحها على التجارب الإبداعية المغربية الراهنة، احتضنت المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء لقاءً أدبيًا متميزًا خُصص لتكريم الكاتب المغربي أنيس الرافعي، بمبادرة من جمعية منتدى شهرزاد للتربية والثقافة، وذلك بمناسبة صدور عمله القصصي الجديد “ماريستان الأقنعة”.

 

جاء هذا اللقاء، الذي نُظّم مؤخرًا برحاب المؤسسة، ليُشكّل لحظة ثقافية نوعية للوقوف عند المسار السردي الفريد لأحد أبرز المجددين في القصة المغربية المعاصرة. إذ يُعد أنيس الرافعي من الكُتّاب الذين خاضوا مغامرة التجريب السردي بكل جرأة، واضعين الكتابة في تماس دائم مع الفنون البصرية، والفكر الفلسفي، وأشكال التعبير الجديدة، ما مكّنه من ترسيخ صوت سردي متفرّد يتجاوز النمط ويُراهن على الهامش واللايقين.

 

نسق اللقاء الناقد الفني عبد الله الشيخ، وافتُتح بكلمة ترحيبية ألقاها مدير المدرسة سعيد كيحيا، أعقبتها مداخلة افتتاحية للفاعل الثقافي ورئيس الجمعية المنظمة الطيب العلمي العدلوني، قبل أن تتعاقب القراءات النقدية والمداخلات الأدبية التي قدّمها باحثون ومهتمون، من بينهم: عبد الله بلعباس، إيمان الرازي، جمال بندحمان، عمر العسري، وسعيد منتسب.

 

لقد شكل هذا الموعد الثقافي مناسبة خصبة لفتح حوار حيّ بين النصوص الجديدة للرافعي وجمهور القرّاء والنقاد، والتأمل في رهانات مشروعه السردي، الذي يُعيد التفكير في القصة بوصفها فعلًا إبداعيًا مركّبًا، وفضاءً لإعادة ابتكار اللغة والأسلوب وبنية التخييل، حيث لا تستقرّ المعاني، بل تُفكَّك وتُركّب في آن، في مراوحة دائمة بين التفكيك الجمالي والتورط الفكري.

أنيس الرافعي: القصة كاختبار وجودي ومختبر سردي

 

في سياق المداخلات النقدية والأكاديمية التي عرفها اللقاء التكريمي للكاتب أنيس الرافعي، أبرز المحاضرون خصوصية المشروع السردي الذي ينفرد به، والذي يتوسّل التجريب الأسلوبي لا بوصفه تمرينًا شكليًا، بل بوصفه رهانًا وجوديًا وهدمًا جماليًا. لقد أجمع المتدخلون على أن المحتفى به لا يمارس الكتابة كإنتاج نصي فحسب، بل كفعل مقاومة في وجه التفريغ الجمالي الذي يُصيب الأدب في زمن الاستهلاك السريع، وكشكل من أشكال مساءلة الذات والعالم.

 

في كتابات أنيس الرافعي، لا نجد التزامًا بالأنماط السردية المكرّسة، بل تفكيكًا دؤوبًا لبُناها من الداخل، وإقامةً واعية في هوامشها المفخخة بأسئلة الهوية والتعبير واللغة. قصصه لا تُروى على نحو تقليدي، بل تتفجر في هيئة مشاهد متشظّية، وجُمل مشحونة، ومرايا نصيّة تتقاطع وتتناسل منها إمكانات التأويل. لا شخصيات نمطية، ولا خطيّة زمنية، بل نسيج معقّد يُعيد ابتكار الكتابة كفعل واعٍ بذاته.

 

في هذا المشروع السردي الفريد، تتداخل القصة مع الشعر، والمسرح مع الهذيان، والحكاية الشعبية مع الميتاسرد، كما يتقاطع فيه الخطاب الفلسفي مع التشكيل البصري واللعب اللغوي. وهي توليفات تُربك القارئ، لا لتُقصيه، بل لتستدرجه إلى قراءة تأملية استكشافية، حيث يصبح القارئ ذاته شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد مستهلك له.

 

خصوصية تجربة الرافعي تكمن في جرأته على خرق التراتب الأدبي، وتفكيك مركزية “الموضوع”، لصالح بنى سردية تتقاطع فيها الحواس والتخييل والتشظي الزمني. إننا بإزاء كتابة تقيم في المناطق الرمادية بين المعنى واللامعنى، بين المتعة والقلق، بين الإدراك والذهول. كتابة تسائل شكلها ووظيفتها، وتتعمّد أن تظل زئبقية، مفتوحة، عصية على التدجين أو التصنيف.

 

أنيس الرافعي، في كل ما يكتبه، يُعلن أن القصة ليست مجرّد حكاية تُروى، بل سؤال دائم عن إمكان الحكاية ذاتها، وعن قابلية اللغة لأن تُقال لا لتُفهم فحسب، بل لتزلزل الأفق، ولتفتح لنا الهاوية بوصفها أفقًا جديدًا للتفكير والقراءة والدهشة.

في شهادته المفعمة ببصيرة فنية نافذة، يرسم الباحث الجمالي عبد الله الشيخ صورة مركّبة لتجربة أنيس الرافعي، لا بوصفها مشروعًا أدبيًا فحسب، بل بوصفها مقترحًا جماليًا ورؤية وجودية. فالرافعي، كما يراه الشيخ، لا يكتب من داخل القوالب، بل يكتب ليفكّكها، ليمتحن هشاشتها، ويعيد تشكيلها بما يشبه مقامًا سرديًا مضادًا، يتحرك ضد التيار السائد، ويؤسس لكتابة تسكن التوتر، وتتنفّس في مناطق اللايقين.

 

إنه لا يقدّم نصوصًا لكي تُقرأ ببساطة، بل ليُقلق القارئ في مكمن خياله، ويدفعه إلى التورط في لعبة المرايا التي تنعكس داخلها الحكاية بلا نهاية، حيث كل انعكاس يُخاتل المعنى، ويمدّده نحو أفق تأويلي غير محسوم. فالسرد عند الرافعي ليس خطًا مستقيمًا، بل سلّم من زجاج هشّ، أو منحدر لولبيّ ينقلنا من طبقة إلى أخرى، من اليقين إلى الشك، ومن الحكاية إلى تأمل الحكاية.

 

يكتب، لا ليُطمئن الذائقة، بل ليُزعزعها؛ لا ليمنح المعنى، بل ليُرجئه، ويُعرّيه، ويُفجّره من الداخل. كتابته، كما يصورها عبد الله الشيخ، تشبه علبة مرايا تتناسخ فيها الانعكاسات، مرايا تستدرج المتلقي إلى دوّامة من التعدد والاختلاف، حيث لا يعود الأدب متعةً جاهزة، بل محنة معرفية وجمالية، حيث تُستعاد الكلمة من برودها الوظيفي لتصبح كائنًا نابضًا بالاحتمال، بالمخاطرة، باللااستقرار.

 

ولأن أنيس الرافعي ينأى عن المعمار الكلاسيكي للسرد، فإنه لا يبني قصصًا بقدر ما ينقّب في خرائط اللغة، يحفر في صمتها، ويوقظ شقوقها. لا شخصيات نمطية ولا حبكات مغلقة، بل جُمل متشظّية، مشاهد مكسّرة، ونصوص تتنفس الشعر والهلوسة والفكر. إنه لا يبحث عن الاكتمال، بل عن الشروخ، عن الأصوات الخافتة التي تئنّ تحت سطح اللغة.

 

إنه كاتب يقيم في الهامش، يُطارد الكسر، ويحوّل القصة إلى جهاز حساس يلتقط رعشة اللغة حين ترتبك، وانفلات المعنى حين يتعذر القبض عليه. وبهذا المعنى، لا تكون قصصه نهاية لحكاية، بل بداية لأسئلة، لا تقدم أجوبة، بل تفتح فجوات في جدار التلقي، حيث يغدو القارئ شريكًا لا في الفهم، بل في التيه الجميل.

 

هكذا يُقدّم عبد الله الشيخ شهادة لا تكتفي بوصف تجربة الرافعي، بل تُقاربها كمرآة لوعينا الجمالي، كتجربة حدودية تنزاح عن النمط وتُراهن على المجهول، عنيدة، شاعرة، عصيّة، وملهمة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة