أخـــــــبــار الـشــعـــب /
بقلم: الفنان الباحث البشيري بنرابح
في زمن تتعدد فيه الأقنعة وتُستهلك فيه المعاني، لم يَعُد غريبًا أن يتصدّر المشهد من لا علاقة له به، فقط لأن الجرأة باتت تُسوّق كقيمة عليا. وسط هذه الفوضى، تبرز ظاهرة يمكن تسميتها بـ**”الهرݣاوة”**: شكل من أشكال التظاهر الاجتماعي والثقافي، يلبس أقنعة التمدن والفن، بينما يخفي خواءً مرعبًا في العمق.
هرݣاوة التمدّن: حين يتحوّل الستايل إلى قناع
نماذج بشرية تملأ شوارع المدينة، تبدو أنيقة من الخارج، ولكنها تفتقر لأدنى عمق داخلي.
يتحدّثون بمصطلحات منمّقة، يرددون أسماء مطاعم راقية، ويحسبون أن الأناقة أو إتقان لغة أجنبية تعني التمدن.
لكن الحقيقة أن ما يُعرض ليس إلا قشورًا حضرية تغطي فراغًا ثقافيًا وأخلاقيًا.
هذا النوع من التظاهر يتخفّى تحت شعار “التحرر”، لكنه في كثير من الأحيان يتحوّل إلى وقاحة مقنّعة.
هرݣاوة الفن: صخب بلا روح
في المقابل، هناك من يدّعي الانتماء إلى الفن، لكنه لا يُنتج سوى استعراضات جوفاء، لا رؤية لها ولا إحساس.
يتسلّقون خشبات المسارح، أو يظهرون في فيديوهات قصيرة، يقدمون ما يُسمّى “فنًا بديلًا”، لكنه في جوهره فراغ متوتّر، يُغلفه ضجيج وادعاء.
هؤلاء لا يحترمون الذوق العام، ولا يحملون همّ التعبير الصادق، بل يخلطون بين الجرأة والابتذال، وبين التمرد والإسفاف.
قاسم مشترك: الهوس بالظهور
رغم اختلاف الشكل، إلا أن “هرݣاوة التمدّن” و”هرݣاوة الفن” يشتركان في جوهر واحد:
هوس التمظهر، والسعي المحموم للبقاء تحت الضوء، ولو على حساب المعنى، أو احترام الجمهور، أو حتى احترام الذات.
لقد تحوّلت المدينة من فضاءٍ للتنوع واللقاء، إلى مسرح كبير للفراغ المسرطن.
ضاعت الحدود بين الفنان والمهرّج، وبين المتحضّر والمتنكّر، حتى بات التمييز بين الحقيقي والزائف شبه مستحيل.
صرخة سؤال: هل للصدق مكان؟
من قلب هذه الفوضى، ينبثق سؤال حادّ:
هل لا يزال هناك مكانٌ للصدق؟
هل يمكن أن يعود الفن ليُلامس الروح، والتحضّر ليُبنى على الأخلاق والمعرفة لا على المظهر والاستعراض؟
ختامًا: لسنا أمام مشهد عابر
ما نعيشه اليوم ليس ظاهرة طارئة، بل أزمة قيم عميقة.
حين تُصبح الوقاحة مرادفًا للتحرر، ويُستبدل الإبداع بالاستعراض، فإننا لا نخسر الذوق فقط، بل نخسر المعنى نفسه.
الفن الحقيقي، والتمدن الأصيل، ليسَا ترفًا نخبويًا، بل هما أداتان لبناء الوعي، وإحياء المجتمعات.
ونحن – كمثقفين ومواطنين – أمام خيار وجودي:
إما أن نتماهى مع سطحية “التهرݣاويت”، أو نقاومها بما تبقى من صدق وعمق وجمال أصيل.










