الوظيفة لم تعد حلمًا بل قيدًا وجب كسره.

habibtarik17 سبتمبر 202522 مشاهدةآخر تحديث :
الوظيفة لم تعد حلمًا بل قيدًا وجب كسره.

أخبار الشعب / هند بومديان

 

في السنوات الأخيرة، يشهد المغرب تحوّلًا عميقًا في نظرة المواطنين إلى الوظيفة، خاصة في القطاع الخاص. لم تعد الوظيفة تُرى كضمان اجتماعي أو استقرار اقتصادي، بل أصبحت في نظر الكثيرين عبئًا يوميًا، يستهلك الوقت والجهد دون مقابل مادي يليق بكرامة الإنسان. هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية دفعت الآلاف إلى إعادة التفكير في مسارهم المهني، والبحث عن بدائل أكثر حرية وجدوى.

 

الراتب الشهري الذي كان يُعتبر في الماضي مكسبًا، أصبح اليوم عاجزًا عن مواكبة متطلبات الحياة اليومية. الغلاء المتصاعد، وغياب الحماية الاجتماعية، وسهولة الاستغناء عن العمال، كلها عوامل جعلت الوظيفة الخاصة مصدر قلق بدل أن تكون مصدر طمأنينة. في المقابل، بدأت تبرز ثقافة جديدة، ثقافة المبادرة الذاتية، حيث أصبح الكثيرون يفضلون خوض غمار التجارة أو تأسيس مشاريع صغيرة، ولو كانت متواضعة، على البقاء في دوامة الوظيفة التي لا تمنحهم سوى فتات الوقت والمال.

 

هذا النزوح نحو الاستقلال المادي ليس مجرد هروب من ضغط وظيفي، بل هو تعبير عن رغبة عميقة في استعادة السيطرة على الحياة. المواطن اليوم يريد أن يكون سيد قراره، أن يحدد ساعات عمله، أن يربط مجهوده بعائد مباشر، وأن يشعر أن كل خطوة يخطوها تقربه من حلمه، لا من استنزافه. التجارة، الحرف، الخدمات الرقمية، المشاريع المنزلية، كلها أصبحت أبوابًا مشرعة أمام من يملك الإرادة والحد الأدنى من المعرفة.

 

لكن هذا الطريق ليس مفروشًا بالورود. فالكثيرون يواجهون تحديات حقيقية، من صعوبة الوصول إلى التمويل، إلى غياب التكوين في مجالات التسويق والإدارة، إلى المنافسة الشرسة في سوق غير منظم. ومع ذلك، فإن روح المبادرة التي بدأت تتغلغل في المجتمع المغربي تحمل في طياتها بذور التغيير. فكل مشروع صغير هو لبنة في بناء اقتصاد أكثر مرونة، وكل تاجر ناشئ هو صوت في معادلة جديدة تعيد تعريف معنى العمل والكرامة.

 

الوظيفة لم تعد حلمًا، لأنها لم تعد تمنح الأمان ولا تحقق الطموح. بل أصبحت قيدًا، يُفرض على الإنسان أن يرضى بالقليل، أن يذوب في منظومة لا تعترف بفرادته. وكسر هذا القيد ليس تمرّدًا، بل هو فعل تحرّر، فعل إيمان بأن الإنسان قادر على أن يصنع رزقه بيده، وأن يكتب فصله المهني خارج دفاتر الشركات المغلقة.

 

هذا التحول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو حركة اجتماعية صامتة، تعيد رسم ملامح العلاقة بين الفرد والعمل، بين الجهد والكرامة، بين الحلم والواقع. ومن يملك الشجاعة ليبدأ، يملك الحق في أن ينجح.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة