أخبار الشعب / حليمة انفينيف اللوزي
في عمق العالم القروي، حيث يمتزج البؤس الاجتماعي بالتهميش الاقتصادي، برزت ظاهرة آخذة في الانتشار والرسوخ: ادعاء البركة وامتلاك القدرة على علاج الأمراض المستعصية،رجال يُلقبون بـالشرفاء أو المعالجين الروحانيين، تفتح لهم البيوت وتُشدّ إليهم الرحال من مختلف المناطق، وتُعلّق عليهم الآمال وربما الأوهام،ما إن يظهر أحد هؤلاء المعالجين في دوار ما، حتى يتحوّل المكان إلى نقطة جذب حقيقية، تشهد رواجا اقتصاديا غير مسبوق: مقاهٍ عشوائية تُفتح على عجل دون ترخيص صحي، أطعمة تُباع بأثمنة تفوق قدرة الساكنة، ووسائل نقل تقليدية توظّف لنقل الزوّار من الدواوير المجاورة نحو مقر الشريف مول البركة، ناهيك عن شبكات سماسرة ينظمون الطوابير، ويحدّدون من له الأسبقية في الدخول، وكأننا أمام خدمة مدفوعة لا تختلف كثيرا عن المقاولات، باستثناء أنها تُغلف بالقداسة والدجل،غير أن السؤال الجوهري الذي يُطرح بإلحاح: هل هذه الظاهرة نتاج طبيعي لتفاقم الفقر، وغياب الوعي، وتردي الخدمات الصحية بالعالم القروي؟ أم أنها ببساطة موضة اجتماعية جديدة، تستغل هشاشة الأفراد وتوظف الجهل لتحقيق مكاسب مالية وشخصية؟
الإيمان الشعبي بالقُوى الخارقة والمعالجين الروحيين ليس وليد اليوم، لكنه يأخذ منحى خطيرا حين يتحوّل إلى تجارة ممنهجة، تتغاضى عنها السلطات، وتُمارس خارج أي إطار قانوني، بل وفي بعض الأحيان، تنتج عنها مشاحنات، وخصومات بين الزوّار أنفسهم، تصل حد العنف أحيانا،الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء يزعمون قدرتهم على شفاء كل داء، من السرطان إلى العقم، ومن السحر إلى المسّ، مستعملين طرق علاجية و رُقى بدائية وغير شرعية، وخلطات عشبية مجهولة، دون أدنى إشراف طبي أو علمي،فأين هي الجهات الوصية؟ وأين هو دور السلطة المحلية والأمنية في ضبط مثل هذه الممارسات؟
إن صمت المجالس المنتخبة عن هذه الظواهر، وتخاذل المسؤولين المحليين في محاربتها أو حتى تنظيمها، يُعد شكلا من أشكال التواطؤ الصامت،خصوصا حين نعلم أن البنية الصحية في هذه المناطق هشّة، وأن المستوصفات غالبا ما تكون بدون أطباء، أو تفتقر للحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
في النهاية، ليست المسألة مجرد ادعاء للبركة، بل هي تركيبة معقدة من الفقر، والجهل، والفراغ المؤسسي، تجعل من الشعوذة تجارة رائجة، ومن الأمل المريض سلعة تُباع بأثمنة غالية،والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل نملك إرادة سياسية ومجتمعية حقيقية لتجفيف منابع الجهل؟ أم سنترك البركة المزعومة تبتلع ما تبقى من وعي؟












