أخبار الشعب / البشير بنرابح
في الجسد كما في الوطن، حين يطول الألم، يتكلم الصمت.
وحين يعجز اللسان عن الشكوى، تتحدث الأعراض.
هكذا يمكن أن نقرأ ما أسميه «سيكوسوماتية المغرب العميق»؛ ذلك التفاعل الخفي بين الوجع النفسي الجماعي والتعب الجسدي لوطنٍ موزّعٍ بين مركزٍ متخمٍ وهامشٍ منهك.
فالمغرب العميق ليس مجرد امتداد جغرافي ناءٍ، بل هو الجانب المظلم في اللاوعي الوطني؛ حيث تتجسّد الآلام التاريخية والاجتماعية في هيئة فقرٍ، وعزلةٍ، وغيابٍ مزمنٍ للفرص.
إنها المناطق التي تتحدث أجسادها بلغة الأعراض: المدارس المتهالكة، المستشفيات الفارغة، والطرقات التي تشبه الشرايين المسدودة في جسد الوطن.
ما يعانيه هذا المغرب ليس فقط فقراً مادياً، بل فقدان الإحساس بالاعتراف.
حين يشعر الإنسان أنه خارج خريطة الاهتمام، يبدأ كما في الجسد الانكماش الداخلي، ثم الخمول الوجداني.
فتنطفئ المبادرات، ويغيب الأمل، ويصبح الانتظار عادةً يوميةً تلتهم العمر ببطءٍ صامت.
إنَّ “السيكوسوماتية” هنا ليست استعارة طبية فحسب، بل تشخيص رمزي لمرضٍ وطنيٍّ صامت، تتجسد فيه العوامل النفسية — من تهميشٍ ولامبالاةٍ ولا عدالةٍ مجالية — في شكل تعبٍ جسديٍّ ملموسٍ: اقتصاد متواضع، بنية هشّة، ونزيفٍ مستمرٍّ نحو المدن الكبرى.
فكما يحتاج الجسد إلى توازنٍ بين أعضائه ليستعيد عافيته، يحتاج الوطن إلى توزيعٍ عادلٍ للنبض بين أطرافه ومراكزه.
وحين يُشفى المغرب العميق من أوجاعه النفسية والاجتماعية، يستعيد الجسد الوطني توازنه الحيوي، وتنبعث من القرى والجبال أصوات جديدة للحياة.
ما لم نصغِ لأنين القرى البعيدة، سيبقى الجسد الوطني مريضًا في صمته،
وحين نعيد للروح دفءَ الإنصات، ستُزهر الحجارة، وتعود الطرقات نبضًا للحياة.









