اخبار الشعب/ عزيز بوركعا
يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار في هذه المرحلة الدقيقة من مساره التنظيمي تحولات لافتة تعكس حجم التوترات الداخلية وإعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل هياكله القيادية، وذلك على بعد أيام قليلة من انعقاد المؤتمر الاستثنائي المقرر يوم 7 فبراير 2026 بمدينة الجديدة، والذي يوصف بمحطة حاسمة في مستقبل الحزب وخياراته القيادية. فقد شكل إنهاء مهام مصطفى بايتاس على رأس إدارة المقر المركزي للحزب وتعيين نائبه يونس أبشير خلفا له حدثا سياسيا وتنظيميا غير مسبوق في توقيته ودلالاته، بما يعكس طبيعة الصراع الداخلي وتعقيدات موازين القوة داخل الحزب.
ويأتي هذا القرار في سياق بالغ الحساسية، إذ كان مصطفى بايتاس يعد أحد الوجوه البارزة داخل التنظيم الحزبي وراكم تجربة سياسية وتنظيمية مهمة سواء داخل الحزب أو من خلال مهامه الحكومية، ما جعل قرار إعفائه من إدارة المقر المركزي مفاجئا له ولعدد من المتتبعين للشأن السياسي. وتشير المعطيات إلى أن القرار لم يكن محل تشاور موسع داخل الدوائر القيادية، ما عمق الإحساس بالارتباك التنظيمي وأثار تساؤلات حول منهجية تدبير الخلافات الداخلية واحترام قواعد التدرج المؤسساتي في اتخاذ القرارات.
في المقابل، يبرز اسم يونس أبشير كفاعل صاعد داخل هرم الحزب، إذ راكم خلال السنوات الأخيرة حضور وازن من خلال توليه مسؤوليات متعددة داخل دواليب الحكومة، من بينها مهام داخل ديوان رئيس الحكومة، ما أكسبه ثقة مراكز القرار على المستويين الحكومي والحزبي. غير أن مسار أبشير لم يكن خاليا من التعقيدات، إذ سبق أن تم منعه من التزكية للترشح خلال انتخابات 2021 من قبل منسق الحزب بجهة فاس مكناس محمد الشوكي، المرشح اليوم بقوة لخلافة عزيز أخنوش، ما يضفي على التعيين الحالي أبعادا سياسية تتجاوز منطق التعيين الإداري البسيط.
وتفهم هذه الخطوة ضمن محاولات إعادة ترتيب التوازنات الداخلية وتعويض بعض الفاعلين عن إقصاءات سابقة، بما يخدم حسابات المرحلة المقبلة، خاصة مع الحديث عن انتقال وشيك للقيادة الحزبية. كما تعكس هذه التحركات طبيعة الديناميكيات المعقدة التي تحكم العلاقة بين القيادات الجهوية والمركزية، حيث تتداخل الاعتبارات التنظيمية مع الحسابات السياسية والشخصية.
أما مصطفى بايتاس، فتؤكد المعطيات أنه عبر عن استياء واضح من الطريقة التي تم بها اتخاذ القرار، ولوح بالاستقالة احتجاجا على ما اعتبره مساسا بمكانته داخل الحزب، معتبر أن المؤتمر الاستثنائي المرتقب سيكون لحظة فاصلة لتحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بينه وبين القيادة الحالية. ويكشف هذا الموقف عن عمق الخلافات الداخلية التي بدأت تطفو على السطح بشكل يهدد صورة الحزب وتماسكه التنظيمي.
ويكتسب المقر المركزي للحزب أهمية رمزية وتنظيمية، إذ يمثل مركز القرار وإدارة العمليات الداخلية، ما يجعل تغيير المسؤول عنه خطوة استراتيجية لها تداعيات مباشرة على موازين القوة داخل الحزب وتحركاته قبيل المؤتمر الاستثنائي.
وتعكس هذه التطورات حالة من عدم الاستقرار التنظيمي التي يعيشها الحزب، في وقت كان من المفترض أن يتركز فيه الجهد على تعزيز وحدة الصف والاستعداد للاستحقاقات المقبلة. فالتغييرات المفاجئة، وتنامي منسوب الصراع الداخلي، وتعدد مراكز القرار، كلها مؤشرات تضع الحزب أمام اختبار جوهري لقدرته على إدارة الاختلافات ضمن إطار مؤسساتي يحترم القواعد التنظيمية ويصون مبدأ المسؤولية السياسية.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يظل مؤتمر 7 فبراير 2026 محطة مفصلية قد تحسم في ملامح القيادة المقبلة، وتعيد رسم خريطة النفوذ داخل الحزب، إما في اتجاه ترسيخ منطق التوافق والاستقرار، أو في اتجاه تعميق الانقسامات بما قد يؤثر سلبا على الأداء السياسي والتنظيمي للحزب. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل التجمع الوطني للأحرار رهينا بقدرته على تحويل هذه الهزات الداخلية إلى فرصة لإعادة ضبط موازين القوة وتعزيز التماسك، وإلا فقد تتحول إلى عامل تقويض السلطة التنظيمية في مرحلة دقيقة من المشهد السياسي الوطني.










