أخبار الشعب / أمين شعب
تندرج تجربة الفنانة حورية لعلج ضمن تلك الممارسات الفنية المعاصرة التي لم تعد تنظر إلى العمل الفني باعتباره موضوعاً جمالياً مستقلاً، بل باعتباره شبكة من العلامات والدلالات القادرة على إنتاج المعنى وإعادة تشكيل علاقتنا بالعالم. فمن خلال الرسم والتصميم والترميم، تنسج الفنانة مشروعاً إبداعياً يقوم على استنطاق الذاكرة الكامنة في الأشياء وإحياء ما يبدو منسياً أو متجاوزاً، محولةً فعل الترميم إلى ممارسة جمالية وثقافية تتجاوز البعد التقني نحو أفق رمزي وإنساني أرحب.
في أعمالها، لا يظهر الشيء بوصفه مادة جامدة أو أثراً فاقداً لقيمته، بل باعتباره حاملاً لذاكرة وتجربة إنسانية. فالصندوق القديم، والكرسي المهمل، والخزانة العتيقة، وسائر العناصر التي تستعيدها الفنانة، تتحول إلى علامات مفتوحة على تاريخ طويل من الاستعمال والعيش والتفاعل. ومن هنا تتجلى الأبعاد السيميائية لمشروعها؛ إذ يصبح كل عنصر بصري دالاً على شبكة من المعاني المرتبطة بالزمن والهوية والذاكرة.
إن عملية الترميم عند حورية لعلج لا تهدف إلى محو آثار الزمن، بل إلى إعادة قراءتها وتثمينها. فالشقوق والخدوش وآثار الاستعمال لا تُخفى، بل تُدمج داخل البنية الجمالية للعمل، لتغدو شاهداً على مسار الشيء وتحولاته. وبهذا المعنى، يتحول الأثر إلى علامة، ويتحول الزمن إلى مكوّن أساسي في تشكيل الدلالة البصرية.
وتنبني لغتها الفنية على حوار متوازن بين الماضي والحاضر. فهي تستلهم الأشكال التقليدية والمواد القديمة، لكنها تعيد صياغتها ضمن رؤية معاصرة تجعلها قادرة على مخاطبة الحساسية الجمالية الراهنة. لذلك لا تكتفي أعمالها بإحياء التراث المادي، بل تساهم في إنتاج معانٍ جديدة تنبع من التفاعل الخلاق بين الذاكرة والابتكار.
وتكشف هذه المقاربة عن وعي عميق بقيمة الأشياء في الثقافة الإنسانية. ففي زمن الاستهلاك السريع وثقافة الاستبدال، تدافع الفنانة عن حق الأشياء في حياة ثانية، وعن إمكانية استعادة الجمال من قلب التآكل والاندثار. وهنا يكتسب الترميم بعداً أخلاقياً، لأنه يعبر عن موقف ثقافي يرفض الهدر والنسيان، ويؤمن بقيمة العناية والإنصات لما تختزنه الموجودات من قصص وتجارب.
ومن الناحية الجمالية، تعتمد حورية لعلج على حس تركيبي دقيق يزاوج بين الألوان والملامس والخامات المختلفة. فهي توظف عناصر التزيين والزخرفة والتلوين بطريقة تجعل العمل يحتفظ بروحه الأصلية، مع اكتساب طاقة تعبيرية جديدة. ويبدو المتلقي أمام أعمالها كما لو أنه يقرأ نصاً بصرياً متعدد الطبقات، تتداخل فيه الإشارات التاريخية مع الرموز الثقافية والانفعالات الوجدانية.
ولا يمكن فهم تجربة الفنانة بمعزل عن التحولات التي شهدها الفن المعاصر في علاقته بالمادة والموضوع. فقد أصبح الشيء اليوم عنصراً فاعلاً في إنتاج المعنى، ولم يعد مجرد موضوع للتمثيل أو الزخرفة. وفي هذا السياق، تمنح حورية لعلج للأشياء المهملة صوتاً جديداً، وتجعلها تشارك في صياغة خطاب بصري يحتفي بالذاكرة ويقاوم النسيان. فكل قطعة يتم ترميمها تحمل إمكانية سرد حكاية، وكل أثر زمني يتحول إلى لغة بصرية تستدعي التأمل وإعادة الاكتشاف.
إن أعمالها لا تقف عند حدود استعادة الأشياء، بل تلامس أيضاً فكرة استعادة الإنسان لقدرته على التواصل مع ماضيه ومع محيطه المادي. فهي تدعو المتلقي إلى إعادة النظر في علاقته بالأشياء التي تحيط به، وإلى اكتشاف ما تختزنه من أبعاد وجدانية وثقافية تتجاوز وظيفتها النفعية المباشرة. ومن هنا تتخذ أعمالها بعداً تأملياً يجعل من الفن وسيلة لفهم الذات والعالم معاً.
كما أن مشروعها الفني ينسجم مع التوجهات الفكرية والبيئية المعاصرة التي تدعو إلى إعادة الاستخدام وإطالة عمر الأشياء والحد من ثقافة الاستهلاك المفرط. غير أن هذا البعد البيئي لا يطرح في أعمالها بصورة مباشرة أو خطابية، بل يتجسد من خلال ممارسة فنية تجعل من الترميم فعلاً إبداعياً يعيد الاعتبار للمادة ويمنحها قيمة رمزية جديدة.
وفي ضوء هذا كله، يمكن النظر إلى تجربة حورية لعلج بوصفها مشروعاً جمالياً وسيميائياً متكاملاً، تتقاطع فيه أسئلة الفن والذاكرة والهوية والزمن. إنها تجربة تجعل من الترميم لغة فنية قائمة بذاتها، ومن استعادة الأشياء استعادة للمعنى نفسه. وهكذا يتحول العمل الفني لديها إلى فضاء للحوار بين الماضي والحاضر، وبين الأثر والابتكار، وبين ما يبدو منتهياً وما يزال قادراً على أن يولد من جديد في صيغة أكثر ثراءً وعمقاً.
إن قيمة تجربة حورية لعلج تكمن في قدرتها على تحويل فعل بسيط في ظاهره، كترميم قطعة أثاث أو إعادة تزيين عنصر قديم، إلى فعل ثقافي وجمالي غني بالدلالات. فهي لا تعيد تشكيل الأشياء فقط، بل تعيد تشكيل نظرتنا إليها، وتذكرنا بأن الجمال قد يسكن ما نعتقد أنه فقد قيمته، وأن الذاكرة قادرة دائماً على أن تجد سبيلاً جديداً للحضور والتجدد. وبذلك تساهم أعمالها في ترسيخ رؤية إنسانية للفن ترى في الإبداع فعلاً للمصالحة مع الزمن، واحتفاءً مستمراً بقدرة المعنى على الانبعاث من قلب الأثر.













