أخبار الشعب /
بقلم: البشير بنرابح
فنان وباحث.
حين تحدث فرنسيس بيكون عن أوثان مسرح الحياة، لم يكن يقصد أصناما تعبد، بل أفكارا تورث، ونظريات تردد، وعقائد تتحول مع الزمن إلى حقائق لا يجرؤ أحد على مساءلتها، إنها أشبه بمسرحية أحكم إخراجها، حتى نسي الجمهور أنها مجرد تمثيل، وأخذ يتعامل معها كما لو كانت الواقع نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس أن يخطئ، بل أن يفقد القدرة على الشك في أخطائه، فعندما تتحول العادات إلى قوانين غير مكتوبة، والشعارات إلى مسلمات، والولاءات إلى بديل عن التفكير، يصبح الإنسان أسير نص كتبه غيره، ويقضي حياته في أداء دور لم يختره.
كم من فكرة نرددها كل يوم دون أن نسأل من أين جاءت؟ وكم من موقف ندافع عنه لأن الجميع يدافعون عنه؟ وكم من حكم نطلقه لأننا ورثناه، لا لأننا اختبرناه؟
عندها يصبح المجتمع كله خشبة كبيرة، فلكل فرد دور مرسوم، ولكل مؤسسة نص محفوظ، ولكل قضية نهاية معروفة سلفا، وما إن يخرج أحدهم عن النص حتى يتهم، لا لأنه أخطأ، بل لأنه امتلك شجاعة التفكير خارج حدود المسرحية.
ليست المشكلة في التراث، ولا في الفكر، ولا في المؤسسات، فكلها عناصر أساسية في بناء المجتمعات، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى سلطات معصومة من النقد، وحين يصبح السؤال خروجا عن الإجماع، وتعد المراجعة تهديدا بدل أن تكون سبيلا إلى التصحيح.
إن الواقع لا يخضع لما نرغب في تصديقه، بل لما هو قائم بالفعل، والتجربة الصادقة كثيرا ما تكشف ما تعجز عنه أكثر النظريات بريقا، لذلك فإن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي ترفع أكثر الشعارات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة أفكارها كلما كشفت الوقائع ما يستوجب المراجعة.
إننا لا نحتاج إلى هدم كل ما ورثناه، كما لا نحتاج إلى تقديسه، فقط نحتاج إلى أن نضع كل فكرة أمام ميزان العقل، وأن نختبرها في ضوء الواقع، وأن نمنح أنفسنا حق السؤال قبل حق التصديق.
فالخطر الحقيقي ليس أن نعيش داخل مسرح، بل أن ننسى أن الستار يمكن أن يرفع، وأن الديكور ليس هو العالم، وأن الحقيقة لا تولد من تكرار النصوص، بل من الجرأة على إعادة قراءتها في ضوء الواقع، فحين يتحرر العقل من أوثانه، لا يصبح أكثر تمردا، بل يصبح أكثر صدقا، وأكثر قدرة على التمييز بين ما اعتاده الناس، وما تثبته الحياة وعندها فقط، يبدأ الإنسان في رؤية العالم كما هو، لا كما اعتاد أن يعرض عليه.
جريدة أخبار الشعب
الدار البيضاء، 24 يوليوز 2026












