أخبار الشعب / هاشم عبدالسلام
مقدمة: المغرب في قلب التوازنات الجيوسياسية
يشكل المغرب نقطة التقاء بين الفضاءين العربي والإفريقي، حيث لعب تاريخيًا دورًا استراتيجيًا في تحقيق التوازن بين انتمائه العربي الإسلامي وامتداده الإفريقي. ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يجد المغرب نفسه أمام تحديات معقدة تتجلى في تجاذبات الهوية والمصالح، إذ يسعى إلى تعزيز حضوره الإفريقي دون المساس بعلاقاته العربية. في الوقت نفسه، تواجه فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، تحديًا للحفاظ على نفوذها في المغرب وإفريقيا عبر الفرنكوفونية كأداة سياسية واقتصادية وثقافية.
التجاذبات الأفروعربية: الهوية والمصالح المتشابكة
منذ استقلاله، تبنّى المغرب سياسة متوازنة تجمع بين الانتماء العربي والتوجه الإفريقي، متأثرًا بموقعه الجغرافي وتاريخه السياسي. فمن جهة، يظل المغرب جزءًا أساسيًا من العالم العربي، ملتزمًا بالقضايا القومية الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية. ومن جهة أخرى، سعى منذ عقود إلى توثيق علاقاته الإفريقية، خاصة بعد عودته إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، حيث اعتمد مقاربة براغماتية ترتكز على التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، في محاولة لتعزيز نفوذه في القارة.
لكن هذا التوازن يواجه تحديات عديدة، أبرزها المنافسة الإقليمية، ووجود قوى عربية وإفريقية تسعى إلى فرض أجنداتها، إضافة إلى محاولات القوى الكبرى إعادة رسم خارطة النفوذ في القارة الإفريقية، مستغلة الصراعات والانقسامات الداخلية. وتأتي قضية الصحراء المغربية كاختبار حقيقي لهذا التوجه، حيث يحاول المغرب كسب دعم الدول الإفريقية لموقفه، في مواجهة تحركات الجزائر وجنوب إفريقيا الداعمة لجبهة البوليساريو.
فرنسا والتمسك بالفرنكوفونية: نفوذ مهدد
بالنسبة لفرنسا، تمثل الفرنكوفونية أكثر من مجرد رابطة لغوية، فهي أداة للحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي في مستعمراتها السابقة، خصوصًا مع تصاعد النفوذ الصيني والروسي والتركي في القارة الإفريقية. لكن هذا النفوذ يواجه تحديات متزايدة، حيث بدأت دول عديدة، بما فيها المغرب، في تقليل اعتمادها على فرنسا والبحث عن شركاء جدد.
رغم أن المغرب عضو في المنظمة الدولية للفرنكوفونية، إلا أنه يتبنى نهجًا متعدد الأبعاد، حيث حافظ على علاقات وثيقة مع فرنسا، لكنه في الوقت نفسه انفتح على قوى أخرى مثل الولايات المتحدة والصين ودول الخليج وإفريقيا. ومن أبرز مظاهر هذا التحول اعتماد الإنجليزية كلغة تدريسية في الجامعات المغربية، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا لفك الارتباط الحصري بالفرنكوفونية وتوسيع الآفاق نحو العالمية.
المغرب والصراع على النفوذ في إفريقيا
في ظل التغيرات الجيوسياسية، يدرك المغرب أن موقعه الاستراتيجي يجعله لاعبًا رئيسيًا في التوازنات الإفريقية. ولذلك، سعى إلى تعزيز دوره من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، حيث أصبح أحد أكبر المستثمرين في غرب إفريقيا، خاصة في قطاعات البنوك والاتصالات والزراعة. كما لعبت “سياسة المساجد”، التي تمثلت في تدريب الأئمة الأفارقة بالمغرب، دورًا في ترسيخ نفوذه الديني والثقافي في المنطقة.
ومع تراجع الهيمنة الفرنسية، يجد المغرب فرصًا لتعزيز حضوره، لكنه في المقابل يواجه تحديات متزايدة، منها الضغوط الفرنسية للحفاظ على نفوذها التقليدي، والتنافس مع قوى أخرى كإسرائيل وتركيا، اللتين تسعيان إلى تعزيز وجودهما في القارة الإفريقية عبر الأدوات الاقتصادية والعسكرية والثقافية.
خاتمة: المغرب بين المناورة الاستراتيجية والرهانات المستقبلية
يبدو أن المغرب قد اختار استراتيجية تقوم على التنويع في تحالفاته، متجنبًا الارتباط الحصري بجهة معينة، وهو نهج يتماشى مع التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فمن جهة، يواصل ترسيخ حضوره الإفريقي عبر دبلوماسية اقتصادية نشطة وشراكات استراتيجية، ومن جهة أخرى، يحافظ على روابطه التاريخية مع العالم العربي، متبنيًا في الوقت نفسه نهجًا براغماتيًا يتيح له الاستفادة من التغيرات الدولية دون الانحياز المطلق لأي طرف.
لكن هذا النهج لا يخلو من التحديات، حيث يواجه المغرب ضغوطًا متزايدة من فرنسا التي ترى في تحركاته تهديدًا لنفوذها التقليدي في المنطقة. كما أن تعزيز العلاقات مع إفريقيا لا يعني غياب المخاطر، إذ إن بعض الدول الإفريقية لا تزال مترددة في دعم المغرب بشأن قضية الصحراء، في حين تسعى قوى كبرى لإعادة ترتيب أوراقها في القارة بما قد يؤثر على مسار المغرب.
على المستوى الثقافي والتعليمي، فإن التحولات الجارية، مثل تعزيز اللغة الإنجليزية وتقليل الاعتماد على الفرنسية، تمثل خطوة استراتيجية مهمة، لكن مدى نجاحها يعتمد على قدرة المغرب على بناء نظام تعليمي متكامل يستجيب لمتطلبات العصر دون التأثير على الروابط التاريخية والثقافية التي تجمعه بمحيطه العربي والإفريقي.
وفي ظل هذه التعقيدات، يظل التساؤل قائمًا: إلى أي مدى يمكن للمغرب أن يحافظ على توازنه بين الامتداد الإفريقي والانتماء العربي، في ظل الضغوط الدولية والتغيرات الإقليمية؟ هل يستطيع أن يفرض رؤيته الخاصة ويحقق استقلالية قراره الاستراتيجي دون الدخول في صدام مباشر مع فرنسا؟ أم أن الحاجة إلى المناورة ستظل جزءًا من سياسته الخارجية للحفاظ على مكانته كقوة إقليمية صاعدة في شمال إفريقيا؟
ما يبدو واضحًا أن المغرب أمام اختبار حقيقي، حيث يجب عليه صياغة مقاربة جديدة تحافظ على مكتسباته وتفتح له آفاقًا أوسع في القارة الإفريقية، دون أن يفقد موقعه الطبيعي في العالم العربي، مع تعزيز استقلال قراره بعيدًا عن الضغوط الفرنسية المتزايدة.








