أخبار الشعب / هند بومديان
يحلّ شهر رمضان هذا العام وسط أزمة غلاء خانقة تضيق الخناق على المواطن البسيط، ليجد نفسه في مواجهة يومية مع الأسعار الملتهبة التي لم تبقِ مجالًا للفرح باستقبال الشهر الفضيل. فبعدما كان رمضان شهرًا للاجتماع العائلي والتقاسم والدفء الروحي، بات اليوم موسمًا للقلق والتوتر، حيث تحوّلت مائدة الإفطار من رمزٍ للوفرة والكرم إلى ساحةٍ للتقشف والحرمان، وصار الصيام اختبارًا قاسيًا ليس فقط للجسد، بل للجيب أيضًا.
موائد رمضانية بين الأمس واليوم
لطالما تميز رمضان في الثقافة المغربية، كما في باقي الدول العربية، بعادات غذائية خاصة. كانت الأسر تتسابق لتحضير أطباق تقليدية تعبّر عن غنى المطبخ المغربي، من الحريرة والشباكية إلى البغرير والمسمن، إضافة إلى الأطباق الرئيسية التي تختلف من منطقة لأخرى. غير أن هذا المشهد الذي كان يعكس الارتباط بالتقاليد بدأ في التلاشي تدريجيًا، والسبب الأساسي هو الغلاء الفاحش للمواد الغذائية الأساسية.
فالزيت الذي لا غنى عنه في كل بيت، صار سعره يحلّق عاليًا، واللحوم التي كانت زينة الموائد الرمضانية أصبحت رفاهية لا يستطيع الجميع تحملها، أما الخضر والفواكه التي كانت تُزين السفرة فأصبح المواطن يشتريها بميزانية مدروسة جدًا، أحيانًا بالكيلو وأحيانًا بالحبة. هذه التغيرات دفعت العديد من الأسر إلى التخلي عن بعض العادات الغذائية، وتعويضها بخيارات أرخص رغم فقرها الغذائي.
المواطن بين نار الأسعار وجمود الدخل
الواقع الاقتصادي للمواطن المغربي لم يعد قادرًا على مجاراة هذا الغلاء المستمر. فرغم الارتفاع الكبير في الأسعار، لم يواكب دخل المواطن هذا التغير، حيث بقيت الأجور جامدة، بل إن بعض الفئات لم تعد تجد مصدر دخل ثابت، خاصة العاملين في القطاع غير المهيكل الذين يعتمدون على نشاطهم اليومي لكسب قوتهم.
ولعلّ الأكثر تأثرًا هم أرباب الأسر الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تغطية المصاريف اليومية، من فواتير الماء والكهرباء إلى تكاليف التنقل ومتطلبات الأطفال، ليأتي رمضان بمتطلباته الإضافية، فيزيد الطين بلّة. أصبح المواطن بين خيارين أحلاهما مرّ: إما اللجوء إلى الديون لتأمين احتياجات رمضان، أو تقليص الاستهلاك إلى الحدّ الأدنى، وهو ما يجعل أجواء الشهر الكريم تفتقد دفئها المعتاد.
التضامن الرمضاني.. هل ما زال كافيًا؟
اعتاد المغاربة في رمضان على روح التضامن والتكافل، حيث تنتشر مبادرات توزيع القفف الغذائية وتنظيم موائد الرحمة للفقراء والمحتاجين. لكن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، أصبحت الحاجة أكبر بكثير مما يمكن أن تغطيه هذه المبادرات. فعدد الأسر التي تعاني من شظف العيش في تزايد مستمر، والكثير من المواطنين الذين كانوا في السابق يقدمون المساعدة، أصبحوا هم أنفسهم في حاجة لمن يساعدهم.
كما أن هذه المساعدات رغم أهميتها، لا تعالج أصل المشكلة، بل تظل حلولًا مؤقتة لا تكفي لسد الفجوة الكبيرة بين الدخل وتكاليف الحياة. فالمواطن البسيط لا يحتاج فقط إلى قفة رمضان، بل إلى سياسات اقتصادية عادلة تحفظ له كرامته وتضمن له العيش الكريم طوال السنة، لا فقط في شهر الصيام.
رمضان.. اختبار للصبر أم صراع من أجل البقاء؟
في ظل هذه الأوضاع، لم يعد الصيام مجرد عبادة، بل تحول إلى صراع يومي من أجل البقاء. فالمواطن المغربي اليوم لا يصوم فقط عن الطعام والشراب، بل عن الاستقرار والطمأنينة، وعن أبسط مقومات الحياة الكريمة. ومع استمرار موجة الغلاء، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى سيظل المواطن المغربي يدفع ثمن الأزمات الاقتصادية المتتالية؟ وهل سيأتي يوم يعود فيه رمضان إلى سابق عهده، شهرًا للبركة والرخاء، بدلًا من أن يكون شهر المعاناة والتقشف؟











