أخـــــبـــــــار الــشــــعــــــــب / هـــنــــد بومديان
في عصرنا الرقمي، أصبح إدمان وسائل التواصل الاجتماعي واقعًا يهدد الأفراد والمجتمعات، لكنه لا يُعامل بالجدية ذاتها التي تُعامل بها الإدمانات التقليدية كالمخدرات والكحول. ورغم اختلاف الشكل، إلا أن التأثير المدمر يبقى متشابهًا، إن لم يكن أشد خطرًا بسبب طبيعته الخفية والمقبولة اجتماعيًا.
حين يمسك الشخص هاتفه ليتصفح مواقع التواصل، يبدأ بضع دقائق فقط، لكنه سرعان ما يجد نفسه غارقًا لساعات دون أن يشعر. هذا السلوك ليس عشوائيًا، بل هو نتيجة تصميم مدروس قائم على تحفيز الدماغ وإبقائه في دائرة متواصلة من البحث عن المتعة اللحظية عبر الإعجابات والتعليقات والمحتوى المتجدد. هذه الدائرة تخلق تأثيرًا مماثلًا لما تفعله المواد المخدرة، حيث يحفز الدماغ إفراز الدوبامين، مما يجعل الإنسان مدمنًا على البحث عن المزيد من هذه الجرعات الرقمية السريعة.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ الشعور بالسعادة المؤقتة سرعان ما يتلاشى ليحلّ محله الفراغ، القلق، والاكتئاب. المستخدم يجد نفسه في دوامة من المقارنات السامة، حيث تبدو حياة الآخرين أكثر نجاحًا وسعادة، فيفقد تقديره لنفسه، وتزداد عزلته النفسية رغم أنه محاط بآلاف “الأصدقاء” الافتراضيين. ومع مرور الوقت، يتحول الاستخدام العادي إلى هوس، فيتراجع التركيز، تتلاشى القدرة على الإنتاج، وتنهار العلاقات الحقيقية لصالح العالم الافتراضي الذي يمنح وهم القرب لكنه يعمّق الفجوة بين الأفراد.
إن أخطر ما في هذا الإدمان أنه لا يُعترف به كخطر حقيقي، فبينما ندرك أثر المخدرات على الجسد والعقل، نغفل عن كون وسائل التواصل تفعل الشيء ذاته بطرق أكثر خبثًا. فهي تسلب الإنسان وقته، تفكيره، مشاعره، وعلاقاته، حتى يصبح أسيرًا لها دون أن يدرك حجم الخسائر التي يتكبدها.
التحرر من هذا الفخ لا يعني مقاطعة التكنولوجيا، بل استعادتها كأداة بدلاً من أن نكون نحن الأدوات التي تستغلها المنصات. ضبط الوقت، الوعي بالتأثيرات النفسية، وإيجاد بدائل حقيقية للتواصل والإبداع، هي خطوات أساسية لإنقاذ أنفسنا من هذا الإدمان العصري الذي يسلبنا أرواحنا بصمت.











