أخـــــبــــار الـــشـــعــــب / هـــنــــد بــومــــديـــان
لم يعد السير في شوارعنا فعلًا يوميًا عاديًا، بل صار مغامرة محفوفة بالمخاطر. صار المواطن يخرج من بيته وهو يلتفت مرارًا خلفه، يضعف يقينه في الأمان، ويزداد شعوره بأن الخطر قد يتربص به من حيث لا يحتسب. فقد انتشر العنف في شوارعنا كالنار في الهشيم، متحولًا من حالات معزولة إلى ظاهرة تهدد سلامة المجتمع وتماسكه.
لقد أصبح العنف مشهدًا مألوفًا: شجارات تنفجر لأتفه الأسباب، اعتداءات بالسلاح الأبيض، تحرش، سرقات علنية، وتصفية حسابات تتم على مرأى ومسمع من الناس. لم تعد هذه الأفعال حكرًا على أماكن الظل، بل صارت تقترف في وضح النهار، وأمام كاميرات المراقبة، وفي قلب الأحياء التي كانت إلى وقت قريب تنعم بالهدوء.
فما الأسباب؟
الظاهرة متعددة الأوجه، وأسبابها عميقة ومعقدة. من جهة، هناك فشل المنظومة التربوية في غرس قيم الحوار والتسامح، ومن جهة أخرى، هناك هشاشة اجتماعية واقتصادية جعلت فئة من الشباب ترى في العنف وسيلة لإثبات الذات أو لتفريغ الغضب المكبوت. يضاف إلى ذلك ضعف الردع القانوني، وقلة الموارد الأمنية في بعض المناطق، مما شجع على التمادي والإفلات من العقاب.
الفضاء العام… من متنفس إلى تهديد
من المفترض أن يكون الشارع فضاءً مشتركًا، يحتضن الناس على اختلاف مشاربهم، ويوفر بيئة آمنة للتنقل والتفاعل. لكن حين ينتشر فيه العنف، يتحول إلى مصدر تهديد، فتُصاب الحياة العامة بالشلل، وتغيب الثقة، ويتقوقع الناس في خوفهم، متخلّين عن جزء من حريتهم وكرامتهم.
لا يمكن احتواء الظاهرة عبر الحل الأمني وحده. يجب أن تتضافر جهود الدولة، والمجتمع المدني، والأسر، والإعلام، لمعالجة الأسباب من الجذور. لا بد من إطلاق حملات توعية واسعة، وإصلاح المنظومة التعليمية، وتوفير فرص للشغل والترفيه، وبث ثقافة السلم داخل الفضاء العمومي. كما يجب تفعيل القوانين بصرامة، وتحديث وسائل الردع، دون أن ننسى توفير الدعم النفسي والاجتماعي للمراهقين والمنحرفين قبل أن يتحولوا إلى مجرمين.
إن العنف في الشارع ليس مجرد اعتداء على الأشخاص، بل هو طعنة في قلب المجتمع، وانحدار نحو الفوضى. ولن يكون هناك مستقبل آمن ما لم نُعلن جميعًا، وبجدية، أن الكيل قد طفح، وأن الوقت قد حان لنستعيد شوارعنا.












