أخار الشعب / هند بومديان
في مغرب يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد التربية مجرد نقلٍ لتقاليد الأجداد ولا تكرار لوصفات جاهزة من الماضي. فالآباء الجدد اليوم يقفون عند مفترق طرق بين جيلين: جيلٍ نشأ على الطاعة العمياء والتربية الصارمة، وجيلٍ ناشئ يتغذى على الحرية، التكنولوجيا، والانفتاح على عوالم متعددة ومتناقضة.
تربية الأبناء في هذا السياق لم تعد مهمة تلقائية أو تلقينية، بل أصبحت تحدياً حقيقياً يتطلب وعياً، توازناً، ومرونة. فالوالد المغربي اليوم مطالب بأن يكون مربياً، وصديقاً، ومعالجاً نفسياً، ومرشداً رقمياً، وكل ذلك دون أن يتلقى في الغالب أي تكوين أو دعم مؤسساتي حقيقي.
يواجه الآباء الجدد معضلات متعددة، تبدأ من الأسئلة البسيطة حول المسموح والممنوع، إلى قضايا أكثر تعقيداً مثل حرية التعبير، الهوية، والميولات الشخصية. فهل يجب السماح للطفل باستخدام الهاتف الذكي في سن مبكرة؟ كيف يمكن الحديث عن المواضيع الحساسة كالتحرش، العلاقات، أو حتى الدين، دون صدمة أو فرض؟ وهل يحق للطفل أن يقول “لا” في مجتمع ما زال يرى الطاعة من علامات التربية الجيدة؟
التحدي الأكبر ربما يكمن في الفجوة الرقمية والثقافية. فالطفل المغربي اليوم يعيش في عالم افتراضي يسبق والده بأشواط، يفهم منصات التواصل، يتحدث بلغة هجينة، ويحمل مفهوماً مختلفاً عن الذات والآخر. هذه الفجوة تُشعر العديد من الآباء بالعجز أو الذنب، فتارة ينسحبون، وتارة ينقلبون إلى التشدد دفاعاً عن سلطة بدأت تتآكل.
ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي كذلك، فضعف القدرة الشرائية، وضغط الحياة اليومية، يدفع العديد من الآباء نحو الانشغال المفرط بالكسب المادي على حساب الحضور التربوي والنفسي. هذا الغياب ـ رغم نواياه الطيبة ـ يُخلّف فراغاً يُملأ أحياناً بالقنوات، اليوتيوب، أو أصدقاء قد لا يحملون ذات القيم.
إن مغرب اليوم يحتاج إلى حوار تربوي وطني يعيد الاعتبار لدور الأسرة ويُواكب التحولات. نحتاج إلى مدارس تدعم الأسرة، لا تُنافسها. إلى إعلام يُوجّه لا يُفسد. وإلى تكوينات حقيقية للآباء حول التربية الحديثة، الذكاء العاطفي، ومهارات التواصل مع الأبناء.
في النهاية، الآباء الجدد ليسوا فاشلين، بل مجتهدون في زمن معقد، يحاولون النجاة من دوامة التحولات، ويبحثون عن تربية تحفظ القيم دون قسوة، وتفتح الآفاق دون فوضى.











