أخبار الشعب /الفنان الباحث البشيري بنرابح
حين أطلقت قلمي نحو الضوء، كنت أبحث عن العيون التي تفرح بي. لكن الضوء أظهر أن بعض العيون كانت مغمضة منذ البداية.
الفنان الباحث البشيري بنرابح
راي حميد بركي شاعر وباحث
حين يختار الإنسان أن يطلق قلمه نحو الضوء، فإنه في جوهر الأمر يطلق ذاته في رحلة بحث عن الاعتراف والحب والاحتفاء، فيتطلع إلى العيون التي تستقبله بفرح وصدق، ويظن أن النور كفيل بأن يكشف له ملامح المودّة التي سكنت القلوب من أجله، غير أن المفاجأة الكبرى تأتي حين يتبين أن الضوء لا يكشف الجمال وحده، وإنما يكشف كذلك الغفلة والغياب، فيرى أن بعض العيون لم تكن تنتظره أصلا، وأنها أغلقت على نفسها أبواب الرؤية منذ اللحظة الأولى، فتصبح كتاباته أمامها بلا صدى، وكأنها رسائل وضعت في قوارب ورقية وانطلقت في بحر بلا شاطئ. في تلك اللحظة يتعلم الكاتب أن الضوء امتحان بقدر ما هو وعد، فهو يميط اللثام عن الصادقين والمزيفين معا، ويجعل الخط الفاصل بينهما واضحا لا لبس فيه، فيتأمل بعمق أن غايته لم تكن أن يُرى فحسب، وإنما أن يُفهم ويُحس، وأن الرسالة التي يحملها لا قيمة لها إذا لم تجد قلوبا مفتوحة وعقولا يقظة، كما يدرك أن العيون المغلقة ليست عدوا له، وإنما هي نفوس اختارت أن تبقى في الظل لأسباب تخصها، وقد تكون عاجزة عن استقبال النور في هذه المرحلة، وأن مهمته الحقيقية ليست أن يفرض عليها النظر، وإنما أن يستمر في الكتابة، لأن النور في النهاية سيجد من يستحقه. هكذا يصبح الكاتب أكثر نضجا، ويكتشف أن قيمة القلم لا تقاس بعدد العيون التي ترمقه، وإنما بقدرته على أن يظل مشعلا في يد صاحبه، يكتب ويبدع حتى لو لم يلتفت إليه أحد، لأن النور في النهاية هو رحلته الداخلية قبل أن يكون وجهته الخارجية.












