أخبار الشعب / محمد شيوي.
في مدينة الدار البيضاء الصاخبة، حيث تختلط الأحلام بالواقع، وتتعانق الأضواء مع عتمة الأزقة، ولد شاب سنة 2003. كان الابن الأكبر لأسرته، شابّا مؤدبا خلوقا، يشهد له القريب والجار، عرفه الجميع بابتسامته الهادئة وقلبه الكبير. متفوق في دراسته، أنهى تعليمه الجامعي وكان على مشارف نيل شهادة الماستر، وكان يردد دائما لوالدته:
“اصبري علي يا أمي… سأعوضك عن كل ما مر بنا.”
كان عاشقا للدراجات النارية، لكنه ملتزم بالقوانين، دائم الحرص على ارتداء الخوذة واحترام الطريق. اشترت له عائلته دراجة كبيرة، وكان يقودها بعقل راجح.
لكن القدر خبأ له نهاية مأساوية لم يتوقعها أحد…
ليلة السابع من فبراير 2025
ذلك اليوم، فضل الشاب البقاء في المنزل قرب والدته وأخته، متعبا يرفض الخروج رغم إلحاح أصدقائه المتكرر. لكنهم لم يتركوه حتى أقنعوه. حضر وجبة بسيطة مع والدته، قبل جبينها وجبين أخته، وكأنه كان يشعر أن ذلك العناق سيكون الأخير.
خرج مع أحد أصدقائه على متن دراجة نارية، والتقى بالآخرين في مطعم للوجبات السريعة. ساعات قليلة مرت، ثم في حدود التاسعة والنصف مساء، دوى باب المنزل بطرقات متسارعة. فتحت الأم لتجد أحد الجيران وصديق ابنها يسأل عن والده بارتباك، ثم انصرف مسرعا.
لم تفهم الأم شيئا. أمسكت هاتفها تبحث عن أي خبر، لتتفاجأ بصورة ابنها على مواقع التواصل الاجتماعي مرفقة بجملة:
“إنّا لله وإنّا إليه راجعون.”
الخبر الذي حطم القلوب
الأب هرع إلى المستشفى، وهناك سقط الخبر كالصاعقة: ابنه فارق الحياة. وفي لحظات الانهيار، اقتربت منه سيدتان كانتا شاهدتين على الحادثة، وأخبرتاه أن ابنه لم يمت في حادث سير عادي، بل قتل عمدا ” مغدورا” ، وأن رفاقه هم من صدموه وفروا، تاركينه ينزف وحيدا.
الأم لم تكن تعرف شيئا بعد. اتصل بها الأب، محاولا كتم دموعه، وأخبرها أن حالة ابنها “خطيرة”، طالبا منها القدوم. وما إن وصلت حتى وجدت نفسها أمام الحقيقة القاسية: ابنها الذي كان حلمها وأملها، مسجى بلا روح.
رحلة البحث عن الحقيقة
بدأت العائلة تسعى وراء العدالة، تبحث عن أي خيط يكشف الجريمة. لكن كل طريق كان مسدودا:
كاميرات المستشفى والسناكات “لا تسجل” أو تمسح بياناتها بعد أسبوع.
الشهود لم يتركوا أي أثر.
أصدقاء الشاب السبعة لم يحضر جنازته منهم سوى واحد، وعندما سئل أنكر معرفته بما وقع.
وفي وسط الصدمة، اكتشفت العائلة أن الدراجة التي قتل بها ابنهم ليست ملكه، بل ملك صديقه الذي لا يملك رخصة سياقة، وأن الشاب سجلها باسمه في التأمين بدافع الشهامة، ليحمي صديقه من المتاعب. لم يكن يعلم أن تلك الشهامة ستكلفه حياته.
تفاصيل الحادثة المروعة
كاميرا وحيدة أظهرت المشهد: سيارة سوداء تتبع الشاب. لحظة الاصطدام كانت مروعة؛ طار جسده في الهواء قبل أن يرتطم بجذع نخلة ثم يسقط على الرصيف. تهشّم عموده الفقري، انكسرت أضلعه، وانغرست أجزاء معدنية في رأسه.
الأكثر قسوة أن “الأصدقاء” الذين كانوا معه نزلوا من السيارة لا لإنقاذه، بل لجر الدراجة بعيدا عن مكان الحادث، ثم فروا، تاركينه يصارع الموت.
عدالة غائبة
بعد شهور من الألم، تفاجأت العائلة بحكم قضائي صدر دون علمهم أو استدعائهم. الحكم لم يوجه إلى من صدم الشاب، بل إلى صاحب الدراجة النارية، بتهمة “تغيير معالم الجريمة”، وحكم عليه بغرامة قدرها 2000 درهم فقط.
القضية أغلقت، والحقيقة بقيت مدفونة، وعدالة الأرض لم تنصف روحا بريئة.
دموع أم
تجلس والدته اليوم تحتضن صورته، وتقول بصوت مبحوح:
“ربي ينتقم من كل قلب قاس، ومن كل يد ساهمت في قتل ابني. لقد كان ضحية رفقاء سوء، ضحية ثقة زائدة في أناس لم يقدروا قيمته.”
رسالة للشباب المغربي
قصة هذا الشاب الراحل ليست مجرد حادثة؛ إنها جرس إنذار لكل شاب:
رفقاء السوء سم قاتل، يبتسمون في وجهك لكنهم قد يبيعونك عند أول خطر.
الثقة العمياء قد تكون نهاية حياتك. اختر أصدقاءك كما تختار روحك.
الوعي والاحتياط واجب، فالقانون لا يحمي الطيبة والسذاجة.
فلنجعل من قصته درسا لا ينسى، عله ينقذ أرواحا بريئة من مصير مشابه…
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.











