التعليم المغربي بين الماضي والحاضر دراسة تحليلية لجريدة أخبار الشعب.

habibtarik3 سبتمبر 202527 مشاهدةآخر تحديث :
التعليم المغربي بين الماضي والحاضر دراسة تحليلية لجريدة أخبار الشعب.

أخبار الشعب / البشيري بنرابح

 

“بعد ستين سنة من الاستقلال، هل استطاعت المدرسة المغربية أن تكون رافعة حقيقية للتنمية؟”

شهد التعليم المغربي مع فجر الاستقلال ، تحولات عميقة شكلت حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة، فقد انطلقت جهود توسيع قاعدة التمدرس مع تعريب المناهج وتكوين الأطر التعليمية، في محاولة لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، لكن ورغم هذه المجهودات، ما زالت التحديات قائمة على مستوى الجودة والتفاوتات، مما يجعل دراسة مسار التعليم بين الماضي والحاضر ضرورة لفهم واقع المدرسة المغربية وتقييم السياسات الإصلاحية.

1ـ مرحلة ما قبل الاستقلال

التعليم في هذه المرحلة كان تقليدياً، وتمحور حول الكتاتيب والمدارس العتيقة، إذ كانت الغاية الأساسية حفظ القرآن الكريم وتلقين العلوم الشرعية واللغة العربية، ورغم دوره في الحفاظ على الهوية الإسلامية، ظل محدوداً اجتماعياً وجغرافياً، إذ اقتصر على الذكور في المدن، بينما الفتيات بقيت وأطفال القرى خارج المدرسة، وتشير تقديرات إلى أن الأمية خلال خمسينيات القرن الماضي تجاوزت 80% من السكان.

2 ـ مرحلة ما بعد الاستقلال

مع فجر الاستقلال سنة 1956، شرع المغرب في مشروع وطني لإعادة بناء التعليم، مركزاً على ثلاثة أهداف رئيسية: مغربة الأطر، تعريب المناهج، وتعميم التمدرس، إنشاء مدارس جديدة وتوظيف المعلمين وتوسيع التعليم الثانوي والجامعي، رغم أن نسبة التمدرس لم تتجاوز 20% من الأطفال في سن الدراسة. كما واجه المغرب خصاصاً كبيراً في الأطر المؤهلة، مما دفعه إلى استقدام أساتذة من دول عربية وأجنبية لسد الخصاص.

3 ـ مرحلة التعميم التدريجي

شهد التعليم المغربي لاحقاً تحولات ملحوظة على مستوى التعميم، إذ تجاوزت نسبة التمدرس في الابتدائي اليوم 98%، وارتفع حضور الفتيات ليوازي تقريباً حضور الذكور. كما توسع التعليم الثانوي والعالي، مع فتح برامج متعددة للتعليم المهني والتقني، وتضاعف عدد الجامعات ومؤسسات التكوين.

إلا أن هذ التوسع ظل مصحوباً بتفاوتات مجالية واضحة، فبعض المناطق القروية والنائية تعاني من نقص البنية المدرسية والمرافق التعليمية، ما يستدعي استمرار الإصلاحات الموجهة نحو العدالة المجالية، 4 4- أزمة الجودة

رغم نجاح المغرب في التوسع الكمي، يبقى التعليم يواجه أزمة نوعية. نتائج PISA 2018 وتقارير البنك الدولي (2022) أظهرت أن الطفل المغربي يستفيد فعلياً من نصف سنوات التمدرس، فيما حوالي 270 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنوياً، ما يعكس ضعف جاذبية المنظومة ومحدودية ملاءمة المناهج لاحتياجات المجتمع وسوق الشغل.

5 ـ التفاوتات الاجتماعية والمجالية

التفاوتات الاجتماعية والمجالية تمثل تحدياً أساسياً، فبينما أصبحت المدارس الخصوصية ملاذاً للطبقات الميسورة، يعاني التعليم العمومي من اكتظاظ الأقسام وقلة الموارد، خصوصاً في القرى، مع ارتفاع نسب الهدر المدرسي لدى الفتيات بسبب البعد الجغرافي وضعف النقل المدرسي والهشاشة الاقتصادية للأسر.

في التعليم العالي، لا تزال الفوارق الطبقية واضحة، إذ يتمكن أبناء الأسر الميسورة من ولوج الجامعات الخاصة والمعاهد الدولية، بينما يبقى أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة رهائن الجامعات العمومية ذات الاكتظاظ وضعف الإمكانات .

7- الإصلاحات الكبرى

أطلقت الدولة المغربية إصلاحات مهمة، منها

الميثاق الوطني للتربية والتكوين (2000): إعلان العقدين القادمين كعقدي التربية والتكوين.

المخطط الاستعجالي (2009): لمعالجة الاختلالات العاجلة.

الرؤية الاستراتيجية 2015-2030: شعار “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”.

القانون الإطار للتربية والتكوين (2019): ترجمة عملية للرؤية.

ورغم هذه المبادرات، لا تزال الفجوة قائمة بين الخطاب الإصلاحي والنتائج الفعلية، مما يطرح تحديات الاستمرارية والنجاعة.

8ـ البعد الثقافي والتحولات الرقمية

تأثرت المدرسة المغربية بالتحولات الاجتماعية والثقافية والرقمية، حيث أصبحت مصادر التعلم متاحة خارج المدرسة، ما أثر على دافعية التلاميذ وأدى إلى ارتفاع نسب الانقطاع، فالأسر لم تعد تلعب الدور التقليدي في متابعة الأبناء، بينما يركز الإعلام غالباً على أنماط استهلاكية أكثر من تحفيز التعلم، ما يشكل تحدياً لإدماج الشباب في سوق الشغل بكفاءة.

إن المسار التعليم المغربي، من الكتاتيب والمدارس العتيقة إلى المدارس الحديثة والجامعات، يروي قصة تطور مجتمع كامل يسعى لبناء ذاته، بعد ستين سنة من الاستقلال، يظهر بوضوح أن التحدي لم يعد فقط التعميم الكمي، بل تحقيق جودة تعليمية حقيقية، عادلة وشاملة، قادرة على إعداد مواطنين متعلمين ومبدعين، يواكبون التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

إن الرهان اليوم ليس في عدد المدارس أو نسب التمدرس، بل في بناء نظام تربوي يُلهم الطلاب ويحفزهم على التعلم ويُكسبهم مهارات الحياة، ويضمن تكافؤ الفرص لكل طفل وطفلة، بعيداً عن التفاوتات الجغرافية والاجتماعية. نجاح التعليم المغربي هو شرط أساسي لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مستقبل واعد للأجيال القادمة، حيث يصبح التعلم حقاً حقيقياً للجميع، وقوة دافعة للتغيير والإبداع.

 

المراجع

المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030.

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الإحصائيات الوطنية للتعليم 2021-2022.

البنك الدولي، تقرير مؤشر رأس المال البشري، واشنطن، 2022.

منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، نتائج برنامج PISA 2018.

اليونسكو، التقرير العالمي لرصد التعليم 2021.

عبد السلام طويل، “إصلاح التعليم بالمغرب: أي آفاق؟”، مجلة المستقبل العربي، العدد 476، 2019.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة