محمد سعيد عفيفي… المسرح الذي لا يرحل.

habibtarik23 سبتمبر 202517 مشاهدةآخر تحديث :
محمد سعيد عفيفي… المسرح الذي لا يرحل.

أخبار الشعب / البشيري بنرابح

 

هناك أسماء لا تُنسى، وأرواح تبقى حاضرة رغم الغياب. من بين هؤلاء، يظل الأستاذ محمد سعيد عفيفي واحدًا من أعمدة المسرح المغربي، الذي لم يكن بالنسبة إلينا مجرد مخرج أو مؤطر، بل كان مدرسة في الإخلاص والوفاء، وذاكرة حية للفن والصدق.

شهادة وفاء من تلميذ

أستاذي الغالي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أكتب هذه الكلمات والعين تدمع، وفاءً لما منحتني من علم، من حب، ورعاية خاصة منذ أن وطأت قدماي المعهد البلدي، قسم المسرح العربي.

معك أستاذي محمد سعيد عفيفي، تعلمت أن الفن ليس مجرد خشبة أو نصوص نلعبها، بل حياة تُعاش بكل تفاصيلها، كنت بيننا تتحرك كرمز للإخلاص والتفاني، وكنا نشهد معك اللحظة التي يصبح فيها الركح أكثر من خشبة، والمسرحية أكثر من عرض، بل حياة حقيقية تُعاش من القلب والروح.

بك كنا معجبين حتى أقصى الحدود، ونمني النفس كيف يمكننا أن نصير مثلك في الإبداع، وفي الثقة الكبيرة، وأنت تتنقل على الخشبة بكبرياء ووقار، كأنك ملك على عرش الفن، كل حركة منك درس، وكل نظرة فيك وأنت تؤدي علم.

ذكريات نادي آسياتدا

معك، أستاذي بسيدي بوزيد، لازالت مقولتك تحيى بداخلي حتى الآن حين قلت لي أمام جمهور غفير في السهرة الختامية لصيف موسم 1993:

“لقد فاجأتني يا عبدو بعطائك معي في إدارة التنشيط بهذا النادي الدولي، أنت نعم التلميذ والصديق والفنان”… شهادة أعتز بها كانت في قاعة البستان بنادي آسياتدا.

أتذكر حينها كان رفقة الحضور الإعلامية نسيمة الحر، والفنان صلاح الشرقي، ورفيق دربه عازف الكمان سميرس رحمهما الله.

استاذي معك تعلمت كيف نعيش نسمات الفجر ونحن نتدرب على فن الإلقاء وتقوية الصوت.

انت صحبة الكونتر باص وانا بالتشخيص مع كل عزف تقومه اقلده بصوتي، كان التفاني في الحب للفن، والإخلاص للعمل، والإيمان بالقدرات الصغيرة التي تنمو لتصبح عظيمة.

خلال تلك السنوات السبع، كنت تُرشدنا لكل خطوة، من الإلقاء إلى الأداء الجسدي، ومن التعامل مع الجمهور إلى الانضباط أمام الكاميرا، حتى أصبح كل واحد منا قادرًا على أن يحمل الركح بروحه قبل صوته.

الوفاء… شهادة من القلب

الوفاء أن تفتح لك الإدارات أبوابها، والمدن أحلامها، وأن تسطر كتاب مسيرتك بيدك بصدق وحب للفن. أن ترى السعادة في عينيك، وأن تطرد عنك غبن الحياة وجور الإدارات، حتى يصبح الفن العين التي ترى بها، والهواء الذي تستنشقه.

الوفاء أن يظل صوتك حاضرًا في آذاننا، وصورتك في أعيننا، وأنفاسك في قلوبنا، وطيفك يسكن دواخلنا. أن نقف على الركح فنراك، وأن نخلوا بأنفسنا في الكواليس فنراك، وأن نقف أمام المرآة فنراك… هكذا يظل الإنسان حيًا في ذاكرة من أحبوه.

ذكريات لا تُنسى

أتذكر كل لحظة قضيتها معك، أستاذي، منذ أن كنت تلميذًا عندك، ثم منشطًا معك في نادي آسياتدا بسيدي بوزيد لمدة سبع سنوات.

ما نسيت شحرجة صوتك حين كنت أتصل بك وأنت في المستشفى العسكري، ولم يبقَ على رحيلك سوى يومان. كانت دموعي حينها دموع فراق ووداع، وكان عبد المجيد سعد الله شاهدًا ومواسيًا لي.

وما أجمل الآن أن تُخلّد بيننا بفضل الرعاية الملكية، وأن يُطلَق اسمك على معلمة وبناية تاريخية بمعقل مدينتك الجديدة، التي أنجبتك، وأنجبت شموخك… فانعم برحمة الله، أستاذي عفيفي.

معك لم يكن الوفاء مجرد شعور، بل درس حيّ تعلمت منه أن الإنسان يبقى حيًا من خلال أثره في الآخرين، وأن الفن الذي يُعاش بصدق يصبح جسورًا بين الأجيال. لقد علّمتنا أن الذكرى الحقيقية لا تُنسى، بل تُخلّد في قلوب من أحبوه قبل أن تُخلّد على الجدران.

اليوم وأنا أكتب هذه الكلمات، أشعر بغيابك الجسدي، لكنك حاضر دائمًا في ذاكرتي، في وجدان المسرح المغربي، وفي كل قلب أحب الفن كما أحببته أنت. لقد تركت إرثًا لا يُنسى، وعلّمتنا أن الوفاء ليس مجرد شعور، بل حياة تُعاش، وأن الحب للفن والصدق في العمل هما معايير البقاء الحقيقية.

في كل مرة أقف على الركح، أراك أمامي. في كل تمرين، في كل مشهد، أستعيد كلماتك، ونظراتك، وابتسامتك التي كانت ترفعنا أعلى من خشبة المسرح، أعلى من أي شيء دنيوي. كنت حاضرًا معنا دائمًا، كأنك جزء من كل عرض نقدمه، وكل درس نحياه، وكل لحظة نعيشها على الركح أو خارجه.

اللهم يا واسع الرحمة والمغفرة، ونحن نودّع ذكراك بالوفاء والمحبة، اجعل أستاذنا محمد سعيد عفيفي في أعلى عليين، وتغمده بواسع رحمتك، واغفر له ولزوجته الطيبة، ولجميع موتى المسلمين، واجعل مثواهم الجنة مع الصديقين والشهداء والصالحين.

آمين يا رب العالمين.

إمضاء: الفنان البشيري بنرابح

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة