اخبار الشعب/
مقدمة
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتعبير عن الرأي، بل تحولت إلى ما يمكن تسميته بـ”هركاوة رقمية”، تتربص بالفنان المغربي عند كل هفوة أو تفصيل بسيط. يكفي أن يطل الفنان بلباس غير مألوف، أو ينطق بكلمة عابرة، أو يقدم عملاً فنياً لا يروق للبعض، حتى تنهال عليه حملات التشهير، وتتحول النقاشات إلى محاكم شعبوية، تختزل مساره الطويل في زلة عابرة.
الفنان بين النقد والتشهير
هذه الظاهرة تكشف خللاً عميقًا في وعي المجتمع. فالفنان، حامل الرسالة الإبداعية، يساهم في تشكيل الوجدان الوطني، بينما السياسي يتحمل مسؤولية المال العام وتدبير الشأن العام. ومع ذلك، يظل الأخير بمنأى عن السخط الشعبي، رغم تورط كثيرين في فساد أو إخفاقات تسييرية أضاعت فرص التنمية وحرمت المواطنين من حقوق أساسية.
المنصات الرقمية شهدت حملات واسعة ضد فنانين مغاربة قدموا مسيرة طويلة من العطاء، وغالبًا لأسباب بسيطة: أغنية اعتُبرت جريئة، تصريح فسّر خارج سياقه، أو ظهور بمظهر جديد يثير الجدل، في لحظة واحدة يُمحى التاريخ الفني، ويُختزل الفنان في زلة عابرة.
المفارقة بين الفنان والسياسي
في المقابل، نادرًا ما نرى نفس الانفعال تجاه السياسيين الذين يسيطرون على الموارد العامة ويقررون مصير الوطن. فضائح مالية، مشاريع متعثرة، مؤسسات عمومية ضاعت مواردها – غالبًا تمر مرور الكرام، بينما يظل الفنان تحت المجهر لسنوات.
تحليل الظاهرة
تعود هذه الازدواجية لعدة أسباب:
انكشاف الفنان: يعيش تحت الأضواء، وحياته الشخصية متاحة للتأويل.
سهولة الهجوم الرقمي: الهجوم على فنان أيسر بكثير من مقارعة سياسي محمي بشبكات السلطة والمال.
غياب النقد الجاد: نقص ثقافة النقد الفني الجاد جعل الساحة مفتوحة للرأي الانفعالي بدل التحليل الموضوعي.
النتيجة أن مواقع التواصل تتحول إلى أداة إلهاء، تبعد الناس عن الجذور الحقيقية للأزمة: الفساد، وسوء التدبير، وغياب العدالة الاجتماعية.
خاتمة صادمة
استمرار هذا الخلل في توجيه الغضب الشعبي ليس مجرد عبث افتراضي، بل تشجيع غير مباشر على الإفلات من المحاسبة. فالفنان، مهما أخطأ، لا يقرر مصير الوطن، ولا يوزع الثروات، ولا يوقع صفقات مشبوهة. أما السياسي الذي خان الأمانة ونهب المال العام، فهو المسؤول عن انهيار المدارس والمستشفيات وضياع مستقبل الشباب.
السؤال صارم: لماذا نُحاكم الفنان على أغنية أو صورة، ونسكت عن السياسي الذي يسرق الوطن؟ لقد آن الأوان لتتحول مواقع التواصل من “هركاوة” على الفنانين إلى منصة لمساءلة من باع الأمانة وخان الثقة. وكما يقول المثل المغربي: “اللِّي فرَّط يْكرَط”؛ من ضيّع الأمانة يدفع ثمنها، عاجلًا أم آجلًا.













