أخـــــبــــار الـــــشــــعـــب / هــنـــد بـومـــديـان
في عصر الهيمنة الرقمية والاستهلاك السريع للمحتوى، لم تعد القيم الثقافية والفكرية التقليدية هي التي تشكل الوعي الجمعي، بل حلت محلها موجة من السطحية والتسلية الفارغة التي لا تقدم أي قيمة معرفية حقيقية. أصبح للنجاح معايير جديدة لا تعتمد على الإبداع أو الفكر، بل على القدرة على تحقيق التفاعل الرقمي، بغض النظر عن عمق الفكرة أو فائدتها. هذه الظاهرة لم تؤثر فقط على طبيعة المحتوى المتداول، بل امتدت إلى بنية المجتمع نفسه، حيث بدأت الهوية الاجتماعية تفقد معالمها أمام هذا الطوفان من التفاهة.
التفاهة لم تنشأ كظاهرة عفوية، بل تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها، يديرها سوق ضخم قائم على الاستهلاك المستمر لما هو سهل وسريع. أصبح الأفراد عرضة لمنظومة إعلامية تسوق لما هو مثير لحظيًا دون أن يحمل أي قيمة طويلة الأمد. ومع الوقت، تحول هذا النمط إلى القاعدة، حتى صار كل محتوى يتطلب جهدًا ذهنيًا أو تحليلًا نقديًا يُعتبر مملًا وغير مناسب للعصر. هذه المنظومة خلقت جيلًا يستهلك بلا تفكير، ويفقد تدريجيًا قدرته على التمييز بين القيمة الحقيقية والزيف الإعلامي.
إلغاء الهوية الاجتماعية يحدث عندما تفقد المجتمعات مرجعياتها الفكرية والثقافية لصالح نماذج جديدة تفرضها صناعة الترفيه السطحي. لم يعد النجاح يُقاس بالإنتاج الثقافي أو العلمي، بل بالقدرة على مواكبة الترند والانتشار الرقمي. هذه التحولات أثرت على طريقة فهم الأفراد لأنفسهم ولمجتمعاتهم، إذ أصبحت هوياتهم تُصاغ وفق ما تمليه عليهم وسائل التواصل، بدل أن تكون نابعة من تاريخهم ومعارفهم وتجاربهم الخاصة. مع الوقت، يتحول المجتمع إلى مجموعة من الأفراد الذين يستهلكون نفس المحتوى، يتحدثون بنفس الطريقة، ويتبنون نفس القيم الاستهلاكية، دون وجود عمق أو تنوع حقيقي.
في مواجهة هذا الواقع، لا يكفي أن ننتقد صناعة التفاهة، بل يجب أن نتخذ خطوات عملية لاستعادة التوازن. الحل لا يكمن فقط في رفض المحتوى السطحي، بل في خلق بيئة تتيح للمحتوى العميق أن يزدهر. تشجيع الفكر النقدي، دعم الإنتاج الثقافي الهادف، وتعزيز الهوية الفكرية للأفراد، كلها عوامل تساعد في مقاومة هذا المد الجارف من السطحية. لا يمكن لمجتمع أن يحافظ على هويته إذا كان أفراده يتلقون المعرفة من مصادر لا تهدف إلا إلى تسليتهم وإبقائهم داخل دائرة الاستهلاك المستمر.
إن مقاومة صناعة التفاهة ليست مجرد خيار فردي، بل ضرورة اجتماعية، لأن المجتمعات التي تفقد قدرتها على التفكير العميق تصبح عرضة للتلاعب والتوجيه، فتفقد هويتها تدريجيًا حتى تصبح مجرد سوق استهلاكي مفتوح لا يملك أي خصوصية ثقافية أو فكرية. الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط في حماية الثقافة من الانحدار، بل في إعادة بناء مجتمع قادر على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما هو مجرد ضجيج عابر.












