اخبار الشعب/ بقلم: الأستاذ البشيري بنرابح
أستاذ فن البسيكودراما – معهد المركب الثقافي سيدي معروف، ومتخصص في التعليم الخاص.
في السياسة، كما في المسرح، ليس كل ما يُقال هو الأهم، بل أحيانًا ما يُترك دون قول. الصمت المدروس، والتجاهل الواعي، يمكن أن يكونا أقوى من الكلمات، وأكثر تأثيرًا من أي خطاب صاخب.
لقد عرف التاريخ أن أعظم القادة والمفكرين السياسيين يستخدمون فن التجاهل كأداة استراتيجية للتحكم في المشهد، وإدارة الانفعالات، وإيصال رسائل دقيقة بلا مواجهة مباشرة. كما قال ميكافيلي: “أفضل الحكام أولئك الذين يعرفون متى يتجاهلون، ومتى يتدخلون.”
في المغرب، يظهر هذا الدرس بوضوح في خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان، حين اختار عدم الاستجابة المباشرة لمطالب حركة “جيل Z” بإقالة الحكومة، مفضلاً التركيز على احترام الدستور وآليات المؤسسات الرسمية.
بوصفِي أستاذ فن البسيكودراما في معهد المركب الثقافي سيدي معروف ومتخصصًا في التعليم الخاص، أرى في هذا التجاهل نموذجًا حيًا لفهم الوعي باللحظة والانفعالات، وكيف يمكن للصمت الواعي أن يكون أداة قوة واستراتيجية سياسية، تمامًا كما ندرّس طلابنا ضبط الانفعالات وتحويلها إلى تعبير واعٍ وفعّال على المسرح.
أولًا: التجاهل كآلية نفسية للسيطرة على الانفعالات
في علم النفس السياسي، يُعتبر التجاهل الواعي آلية دفاعية وتحكمية لتجنب الانفعال المفرط أو الانجرار وراء المطالب الضاغطة.
الملك محمد السادس، بعد سلسلة احتجاجات وحركة “جيل Z”، لم يستجب مباشرة لمطالب الإقالة، بل اختار الصمت الاستراتيجي حول المطلب المباشر.
من منظور سيكولوجي، هذا التجاهل يُظهر ضبط الذات والسيطرة على التوترات، ويحوّل الإنفعال الشعبي إلى خطاب أكثر هدوءًا ومسؤولية، وهو ما أدرسه كأستاذ في البسيكودراما عندما نعلّم الطلاب ضبط مشاعرهم أثناء التعبير المسرحي عن الصراعات الداخلية.
ثانيًا: التجاهل كإشارة رمزية للسلطة
التجاهل هنا لا يعني الغياب، بل رسالة ضمنية للسلطة الرمزية:
التأكيد على أن القرار والتغيير السياسي يتم عبر المؤسسات الدستورية، وليس من خلال الضغط الشعبي المباشر.
استخدام التجاهل كأداة لإعادة ترتيب موازين القوة دون صدام مباشر.
علم النفس الاجتماعي يشير إلى أن الصمت الاستراتيجي واللامبالاة الظاهرة في مواجهة المطالب يُستخدمان كأدوات لإدارة المعنى والهيمنة الرمزية، تمامًا كما نستخدم في البسيكودراما الصمت المسرحي لتوجيه تركيز الجمهور نحو جوهر المشهد.
ثالثًا: الذكاء العاطفي والتحكم في المشهد النفسي
التجاهل الملكي يعكس ذكاءً عاطفيًا عاليًا:
تفادي الانفعال الشخصي أو السياسي أمام حراك شبابي حساس.
إدارة توقعات المتلقين وتحويل التركيز من المطالب العاجلة إلى القضايا الكبرى للوطن.
هذا الأسلوب النفسي يقلل من احتمالية التصعيد، ويخلق مناخًا للتفكير العقلاني بدل الانفعال العاطفي، وهو نفس المبدأ الذي ندرّسه في البسيكودراما حين نوجّه المشخصين لتعبير انفعالاتهم بطريقة واعية ومدروسة.
رابعًا: الصمت الموجه كأداة نفسية للتأثير
التجاهل هنا ليس عشوائيًا، بل موجّه ومخطط:
عدم ذكر “جيل Z” بالاسم يُحوّل الرسالة من مواجهة مباشرة إلى رسالة عامة ومؤسساتية.
يترك المجال للمتلقين لتفسير الرسالة بأنفسهم، ما يعزز القبول الداخلي للخطاب ويمنع إثارة مقاومة صريحة.
في علم النفس، يُعرف هذا “بالتجاهل التأويلي” أو strategic ambiguity، حيث الصمت يصبح وسيلة لإدارة المعنى.
بوصفِي أستاذًا للبسيكودراما، أرى في هذا الصمت استراتيجية مشابهة لتقنيات المسرح التي تسمح للممثل أو المخرج بإيصال معنى أعمق دون الإفصاح المباشر، ما يجعل الرسالة أكثر تأثيرًا ودوامًا في الوعي الجماعي.
خامسًا: الجانب النفسي والتربوي في التجاهل السياسي
يمكن النظر إلى هذا التجاهل كنوع من التعليم السياسي اللاواعي:
يعلم الحركة والمواطنين أن التغيير الحقيقي يأتي من المؤسسات، وليس من الضغط العاطفي أو الاحتجاجات الصاخبة.
يعكس أسلوبًا تربويًا قائمًا على الوعي والانضباط النفسي، حيث التجاهل يعلّم الصبر والاعتماد على الطرق الرسمية لتحقيق المطالب، تمامًا كما نعلّم طلاب البسيكودراما ضبط الانفعالات والتحكم في المشهد المسرحي لتحقيق التعبير الأمثل.
ختاما
التجاهل الملكي في خطاب البرلمان الأخير يمثل فنًا سيكولوجيًا متقدمًا:
ضبط الانفعالات والتحكم في التوتر النفسي للمشهد السياسي.
تعزيز السلطة الرمزية وإعادة ترتيب موازين القوة دون مواجهة مباشرة.
استخدام الذكاء العاطفي لتحويل التركيز من المطالب العاجلة إلى القضايا الوطنية الكبرى.
توظيف الصمت الموجّه لإيصال الرسائل بطريقة غير confrontational، مع تعليم المواطنين احترام المؤسسات.
إنه درس حي في فن البسيكودراما السياسي، حيث يصبح الصمت أداة للتأثير، والتجاهل شكلًا من أشكال القول الراقي، الذي يربط بين الفعل النفسي، الوعي الاجتماعي، والسيطرة الرمزية في آن واحد.











