أخبار الشعب/حليمة انفينيف اللوزي
عرفت بلادنا خلال الأسابيع الأخيرة موجة من التساقطات المطرية والثلجية التي بعثت الأمل مجددا في نفوس الفلاحين والمهنيين، بعد سنوات من الجفاف والمعاناة، وقد شكلت هذه الأمطار نعمة طال انتظارها، ليس فقط لِما تحمله من خير وفير للتربة والزرع، بل لما تحمله من بوادر انتعاش لقطاع فلاحي ظل يعاني في صمت، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتقلّب الأسعار وارتفاع كلفة الإنتاج.لقد ساهمت هذه التساقطات في تهيئة التربة وتحسين ظروف الزرع، مما سينعش الزراعات الخريفية والشتوية، ويعيد الثقة إلى الفلاحين الذين تردد الكثير منهم في المغامرة بالزراعة هذا الموسم،كما أن هذه الأمطار والثلوج ساهمت في تغذية الفرشات المائية، ورفع منسوب المياه في السدود والوديان، ما سيفتح المجال أمام الفلاحة السقوية التي تعتبر العمود الفقري للأمن الغذائي في عدد من المناطق،ولم تقف الانعكاسات الإيجابية عند الزراعة فقط، بل امتدت إلى قطاع الماشية، حيث ساعد الغطاء النباتي الناتج عن الأمطار الأخيرة في توفير مراعي طبيعية، خفّضت بشكل كبير الاعتماد على الأعلاف المصنعة التي أرهقت ميزانيات الفلاحين في السنوات الماضية، فالأمطار لم تكن مجرد بلل للتربة، بل كانت بلسما للأوجاع التي راكمها الفلاحون خلال سنوات الجفاف،غير أن هذه الفرصة الطبيعية، رغم أهميتها، لن تثمر نتائج حقيقية ما لم تواكبها إرادة مؤسساتية حقيقية للاستثمار في هذا الظرف الاستثنائي، إذ من غير المنطقي أن يواجه الفلاح وحده تحديات الموسم وهو المثقل بالديون و المحروم من الدعم، والمعرض لتقلبات السوق، وفي هذا السياق، تطرح بإلحاح ضرورة تدخل الدولة من خلال دعم مباشر للفلاحين الصغار، سواء بتوفير الأعلاف بأسعار مدعمة، أو عبر تسهيلات للحصول على البذور والأسمدة ومستلزمات الإنتاج،كما أن الأبناك مدعوة اليوم إلى التحلي بروح المسؤولية، من خلال إعادة جدولة ديون الفلاحين، وتأجيل استخلاص القروض دون فوائد إضافية، لأن استمرار الضغط المالي عليهم يعني الحكم عليهم بالعجز، بل وربما بالخروج من القطاع نهائيا فالتنمية الفلاحية لا تتحقق فقط عبر الأمطار، بل عبر العدالة في توزيع الفرص والتمويل.إن استثمار هذه التساقطات بالشكل الأمثل هو مسؤولية الجميع، من فلاحين، ومؤسسات، وإدارات، وجماعات ترابية،كما أنه اختبار حقيقي لنجاعة السياسات الفلاحية في بلادنا، ومدى استعدادها للانتقال من التدبير الموسمي إلى رؤية استراتيجية تُنصف الفلاح وتضمن الأمن الغذائي،وختاما إن التساقطات الأخيرة ليست فقط مناسبة للفرح، بل فرصة نادرة يجب البناء عليها، من أجل انطلاقة جديدة لهذا القطاع الحيوي، وإعادة الاعتبار للفلاح المغربي، الذي ظل صامدا رغم قسوة الظروف، ومتشبثا بالأرض رغم كل الخسارات.












