حين لا تحسم الكؤوس فقط بالأقدام.

habibtarik19 يناير 202618 مشاهدةآخر تحديث :
حين لا تحسم الكؤوس فقط بالأقدام.

أخبار الشعب / هند بومديان

 

لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا بين المغرب والسنغال مجرد مباراة تُحسم بتفاصيل تقنية أو هدف في الوقت الإضافي، بل كان مشهدًا معقّدًا تختلط فيه كرة القدم بعوامل نفسية وتحكيمية وضغوط تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. مباراة انتهت بخسارة المغرب، لكنها تركت وراءها أسئلة أكثر مما قدّمت أجوبة.

دخل المنتخبان اللقاء بحذر شديد، وكأن كل طرف كان يخشى ارتكاب الخطأ أكثر مما كان يبحث عن المجازفة. المغرب، وهو يلعب على أرضه وأمام جماهيره، بدا مثقلًا بثقل الانتظار الطويل والآمال المعلّقة، بينما ظهرت السنغال أكثر هدوءًا وتنظيمًا، تراهن على الصبر وامتصاص الضغط. السيطرة المغربية في فترات من المباراة لم تُترجم إلى خطورة حقيقية، إذ غابت الجرأة في الثلث الأخير، وكأن الخوف من الخسارة كان حاضرًا بقوة في الذهن الجماعي للاعبين.

لحظة ركلة الجزاء شكّلت نقطة التحوّل الأبرز في النهائي. لم تكن مجرد فرصة سانحة للتسجيل، بل اختبارًا نفسيًا حاسمًا. طريقة التنفيذ عكست برودًا غير منسجم مع حرارة اللحظة، وكأن الضغط كان أكبر من قدرة اللاعب على الاحتمال. بعد صدّ الكرة، لم يضِع هدف فقط، بل اهتزّ التوازن الذهني للمنتخب المغربي، في مقابل عودة قوية للسنغال التي بدت وكأنها نجت من لحظة إعدام معنوي.

الاحتجاج الذي قام به لاعبو السنغال عقب قرار ركلة الجزاء لم يكن فعلًا انفعاليًا عابرًا، بل بدا أقرب إلى رسالة محسوبة. رسالة مفادها أن النهائي لا يُحسم بقرارات مثيرة للجدل، وأن الفريق مستعد للذهاب بعيدًا في الدفاع عن موقفه. اللافت أن هذا السلوك قوبل بالاحتواء أكثر من الردع، ما فتح باب التأويل حول حساسية الظرف ورغبة الجهات المنظمة في تفادي انفجار أكبر في مباراة تُتابَع قاريًا ودوليًا.

مع بداية الوقت الإضافي، جاء هدف السنغال بهدوء لافت، دون اندفاع أو احتفال مبالغ فيه، وكأنه تنفيذ دقيق لخطة قائمة على الانتظار والضربة القاضية. بعد الهدف، لم يظهر رد فعل مغربي قوي يعكس حجم الرهان، بل طغى الارتباك والاستعجال وغياب التركيز، وكأن الفريق ظل عالقًا ذهنيًا عند ركلة الجزاء أكثر من سعيه لتدارك النتيجة.

التحكيم في هذا النهائي لم يكن فاضحًا بالمعنى المباشر، لكنه لم يكن مريحًا أيضًا. قرارات صغيرة، تدخلات متباينة لتقنية الفيديو، وهامش رمادي واسع جعل الكثيرين يشعرون بأن الكفة مالت تدريجيًا دون دليل قاطع يمكن الإمساك به. الغموض هنا لم يكن في لقطة واحدة، بل في تراكم تفاصيل صنعت شعورًا عامًا بعدم الطمأنينة.

المغرب خسر فرصة تاريخية للتتويج على أرضه، وخسر معها لحظة كان يمكن أن تتحول إلى ذاكرة جماعية مشرقة. أما السنغال، فربحت لقبًا جديدًا ورسّخت صورة المنتخب الذي يعرف كيف تُلعب النهائيات: بالهدوء، بالدهاء، وبالتحكم في الأعصاب قبل الأقدام.

سيبقى هذا النهائي حاضرًا في الذاكرة، لا لأنه كان الأجمل فنيًا، بل لأنه كان الأكثر إثارة للجدل والأسئلة. نهائي أكد أن كرة القدم الإفريقية لم تعد تُحسم فقط بالموهبة، بل أيضًا بما يُدار في الكواليس، وبالقدرة على الفوز في اللحظات الذهنية الحرجة، حيث تُكسب الكؤوس… أو تضيع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة