بين دموع الوداع وارتباك الانتقال قراءة نقدية في المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار

El Morjani El Mehdi9 فبراير 202621 مشاهدةآخر تحديث :
بين دموع الوداع وارتباك الانتقال قراءة نقدية في المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار

اخبار الشعب/ عزيز بوركعا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

انعقد المؤتمر الوطني الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار بمدينة الجديدة في سياق سياسي وتنظيمي بالغ الدقة، ولم يكن مجرد محطة داخلية لتجديد القيادة بقدر ما تحول إلى لحظة كاشفة عن اختلالات عميقة في بنية الحزب ومسار تدبيره للانتقال القيادي. فالمؤتمر الذي خصص للحسم في مستقبل رئاسة الحزب وانتهى بتنصيب محمد شوكي خلفا لعزيز اخنوش، كشف من خلال أجوائه ونتائجه ورسائله الصريحة والضمنية عن نهاية مرحلة كاملة، أكثر مما أعلن عن بداية مرحلة جديدة متماسكة المعالم.

من حيث الشكل، جاءت نتائج التصويت بأرقام شبه مطلقة، إذ حصل المرشح الوحيد محمد شوكي على 1910 اصوات من اصل 1933 صوتا معبرا عنها مقابل 23 ورقة بيضاء اعتبرت ملغاة. غير ان هذه الارقام، بدل ان تعكس قوة اجماع سياسي حقيقي، تطرح تساؤلات جوهرية حول معنى الاختيار في غياب المنافسة وحول طبيعة الديمقراطية الداخلية داخل حزب يقود الحكومة. فحين يكون المرشح وحيدا، يصبح التصويت اجراء شكليا لتزكية قرار مسبق، لا تعبيرا عن تعددية ولا عن تنافس سياسي، وهو ما يحول المؤتمر من فضاء تقرير الى مجرد آلية تنفيذ.

ولا يقل غياب ازيد من الف مؤتمر ومؤتمرة عن اشغال هذه المحطة دلالة عن نتائج التصويت نفسها. فهذا الغياب الواسع اما انه يعكس موقفا احتجاجيا صامتا تجاه مسار انتخابي فاقد للرهان، او يؤشر على تراجع قدرة الحزب على التعبئة بعد ان فقد الغطاء المالي واللوجستي الذي كان يؤمن حضور القواعد في زمن اخنوش. وفي كلتا الحالتين، فان الكراسي الفارغة لم تكن تفصيلا تنظيميا عابرا، بل مؤشرا واضحا على هشاشة الانخراط الحزبي حين يغيب الراعي المركزي.

غير ان اكثر ما طبع اشغال المؤتمر وازاح الاهتمام عن تنصيب رئيس جديد لحزب يقود الحكومة، هو الطابع العاطفي المفرط الذي غلب على الجلسة الختامية. فقد تحولت الكلمة الوداعية لعزيز اخنوش والوقفة التكريمية التي نظمت له الى مشهد بكائي جماعي، عجز خلاله عدد من القيادات البارزة عن ضبط انفعالاتها، وعلى راسها اخنوش نفسه ورئيس المؤتمر راشيد الطالبي العلمي. مشهد انساني في ظاهره، لكنه سياسيا مربك، اذ اعطى الانطباع بان الحزب لا يودع رئيسا فحسب، بل يشيع مرحلة كاملة ارتبط فيها التنظيم بشخص واحد.

هذه الدموع، مهما قيل عن صدقها، اصطدمت بوعي عام مثقل بالاسئلة الاجتماعية والاقتصادية. فهي لا تخفض اسعار المواد الاساسية، ولا تعالج تدهور القدرة الشرائية، ولا تفي بالوعود المتعلقة بخلق فرص الشغل، ولا تجيب عن ارتفاع معدلات البطالة. كما ان المفارقة بدت صارخة بين هذا السيل من العاطفة داخل قاعة مكيفة، وبين الغياب شبه التام للتاثر العلني خلال كوارث وطنية مؤلمة شهدتها البلاد، من فيضانات وزلازل خلفت ضحايا وخسائر جسيمة. هناك كان الصمت سيد الموقف، وهنا انفجرت الدموع عند اول خطاب وداعي.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن فصل ما جرى داخل المؤتمر عن المعطيات المتداولة حول شروع عزيز اخنوش في فك ارتباطه التدريجي بالحزب، سواء من خلال عدم الترشح لولاية جديدة او عبر توجيه مجموعته الاقتصادية نحو تحييد اي دعم مالي او لوجستي يمكن ان يفهم على انه استمرار لنفوذه داخل التنظيم. وهو قرار يحمل رسائل واضحة، اولا بتحميل القيادة الجديدة مسؤولية تدبير الحزب دون سند اقتصادي، وثانيا بمحاولة اعادة تموقع شخصي في ظل تصاعد النقاش العمومي حول تضارب المصالح وحدود العلاقة بين المال والسياسة.

انتخاب محمد شوكي، الذي يشغل رئاسة الفريق النيابي للحزب ومنصب المنسق الجهوي بجهة فاس مكناس، جاء في هذا السياق الانتقالي الحذر، كما صادق المؤتمر على تمديد هياكل الحزب الى ما بعد الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بدعوى تعزيز النجاعة الداخلية وضمان الانسجام التنظيمي. غير ان هذا القرار يطرح بدوره تساؤلات حول مدى الاستعداد الحقيقي لفتح نقاش داخلي عميق حول القيادة والمحاسبة وتجديد النخب، بدل ترحيل الاشكالات الى ما بعد الاستحقاقات.

في المحصلة، لم يكن المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للاحرار لحظة قوة سياسية بقدر ما كان مرآة لارتباك عميق. ارقام كبيرة بلا منافسة، دموع غزيرة بلا اثر اجتماعي، وغياب واسع كشف ان جزءا مهما من الحماس التنظيمي كان مرتبطا بالامتياز لا بالقناعة. لقد انتهت مرحلة ادار فيها الحزب بالوفرة والظل الثقيل لشخص واحد، وبدأت مرحلة اختبار حقيقي لتنظيم مطالب اليوم بان يقنع الرأي العام بمشروع سياسي مستقل وقابل للمساءلة، لا بذكرى مرحلة تودع بالدموع ثم تطوى.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة